www.amude.com
   كردي - عام - مستقل - www.amude.com   Kurdî Deutsch
 
15.10.2006 - 10:17 [ قرأت هذه المادة 1990 مرة ] [ طباعة ]
----------------------------------------------------------------------------------

معسكراتُ الأبَد : إلتباسُ التاريخ والفنتاسيا

دلور ميقري


سليم بركات
أولاً ـ حولَ الرواية الفنتاسية

ما كان لمحاولات سليم بركات ، الروائية ، إلا أن تثيرَ إشكالية بينة في مسألة الشكل الفني للسرد ، كما في تقنيته ومعماره ، على حدّ المساواة ؛ وهيَ محاولات ، أخذت القاريء العربيّ ، على حين غرة ، بما إعتمل فيها من لغة بليغة ، عصيّة ، وأجواء سحرية ( فنتاسية ) ، غير مألوفة : صفتان ، إعتاد قارئنا مصادفتهما خلال مطالعاته في كتب التراث ؛ كما في تصانيف المتصوفة ، على سبيل المثال . على أنّ ذلك الإشكال ، الموصوف ، في واقع الأمر ، مرده تغرّب الرواية المكتوبة بالعربية عن الحداثة ، والمعبّر عنها في تلك الصيغ التجريبية ، التجديدية ، المكتنفة للأعمال الروائية الأوروبية ، بشكل خاص . فلطالما راهن روائيونا على المدارس الكلاسيكية ، كالرومانسية والواقعية والرمزية وغيرها ، وخاضوا على هديها تجاربهم الكتابية أسلوباً ومضموناً ؛ مما نتج عنه بالتالي " رهن " ثقافة قرائهم ، الأدبية ، في حدود تلك التجارب ، حدّ الإدمان عليها . حقيقة أنّ الرواية ، كبنية أدبية متكاملة معمارياً ، هيَ حالة مستجدة على ثقافتنا ، بما كان من بداياتها ، المتأخرة ، العائدة إلى مستهل القرن العشرين ؛ هكذا حقيقة ، ليست بالمبرر المستوفي شرط الإقناع ، فيما تشهده معظم الأعمال الروائية العربية ، المتأخرة ، من مراوحةٍ في مواقعها الرومانسية أو الواقعية ، وما يستتبعه ذلك من الجمود والبلادة . وعلى هذا يكون الفنتاستيك ، في الرواية العربية : " نصاً كفيلاً للإطاحة بالواقع وتمريغه في لوثة رماد الإنهيار ، من أجل إغتساله ، قصد تحريره من سكونيته ، وليس لتقديم أجوبة جاهزة ، لأن الفنتاستيك سؤال يتعيّن ، بدءاً ، إمتحانه لتلمس تجلياته ، وتجليات كل من ساهم في رفده أيضاً " . (1)

ما سلف من تأكيدنا على حقيقة حداثة عهد الرواية بأدبنا ، يضيء أيضاً حقيقة اخرى : أنّ ثقافتنا المشرقية ـ المعاصرة زمناً ، لا تفاعلاً ـ قد تقبلتْ الرواية ، كشكل أدبيّ جديد ، فيما تقبلته من جهة الغرب ؛ وفي الآن ذاته ، رفضتْ أيّ مواكبة للحداثة ، القادمة من الجهة نفسها . هذا الرفض ، له أسباب شتى لا مجال هنا لعرضها ومناقشتها . بيْدَ أنه من المفيد ، إستطراداً ، القول بأنّ تلك الحقيقة ، الموصوفة ، كان لا بد لها ترسيخ حالة " التغرب " في الرواية ، ليس لكونها شكلآ أدبياً ، مستحدثاً / مستورداً ، حسب ؛ بل وخاصة لتموضعها في بيئة إجتماعية ، متخلفة ، رافضة للحداثة ومستنفرة على الدوام للمنافحة عن كل " تابو " ، محتمل ، دينياً وسياسياً وثقافياً . إلا أنّ المرء ليستغرب حقا ، حينما يعلم مدى تأثير كلاسيكيات تراثنا المشرقي ، كألف ليلة وليلة ، على بواكير الكتابات الغربية ، الحداثوية . فحكايات شهرزاد تلك ، بما هيَ عليه من تماهٍ بين التاريخيّ والخياليّ ، وبين الواقعيّ والميتافيزيقيّ ، كان من الطبيعي أن تلهمَ أولئك الكتاب الأوروبيين ، ( كافكا ، مثلاً ) ؛ ممن إهتدوا إلى ما صار يُعرف نقدياً بـ " الرواية السحرية " . إننا لا نرفعُ هنا أسواراً مصطنعة بين الغرب والشرق ، في هذه المسألة أو في غيرها . على أنّ واحدنا ليثير عجبه ، خصوصاً ، إهمال أغلب كتابنا ، الفادح ، لتراثهم العظيم الذاخر بالأجواء الفنتاسية ؛ كما في حكايات الجان ، الذين يتلاعبون بمصائر البشر الأنسيين ويشاركونهم مأكلهم ومشربهم ومسكنهم ، وحتى عشق حبيباتهم .. !

بدا سليم بركات ، منذ بداية تجربته ، الروائية ، كما لو أنه قرر القطيعة التامة مع أشكال الكتابة العربية ، السائدة في هذا المضمار . لكأنه " ولدٌ لقيط " ، متروكٌ بإهمال على حافة الكون الأدبيّ ؛ أو بالأصح ، ربما ، " ولدٌ عاق " يرفضُ الإعتراف بأيّ أبوّة أدبية . الصفة الأخيرة ، المفترضة ، تحيلنا إلى الكاتب نجيب محفوظ ؛ الذي خرجت الرواية العربية ، مجازاً ، من " معطفه " : فكاتبنا هذا ، الراحل ، وبالرغم من مرور تجربته ، المديدة ، بمعظم الإتجاهات الأدبية ، الروائية ، المعروفة ؛ إلا أنه كان واقعياً ، لدرجة أن نصوصه ملتصقة بشدة بواقع المدينة الكبرى ، ( القاهرة ) ، وخصوصاً الحيّ الشعبيّ العريق ، ( الحسين ) ، الذي فتح عينيه فيه وألفه وتغنى به ؛ حدّ أنّ رواياته تدعوه ببساطة بـ " الحارة " . وواقعية محفوظ ، إنعكست حتى في رواية " أولاد حارتنا " ، المستلهمة لقصص الأنبياء بشكل جليّ لا يمكن لأحد دحضه ؛ واقعية ، أحالتْ رموزاً دينية ، معروفة ، إلى مخلوقات بشرية ، فانية ، تسكن تلك الحارة القاهرية نفسها جيلاً بعد الآخر . بيْدَ أنّ الخيال والتناص والرؤى ، الخاصة بأسلوب كاتبنا المحفوظيّ ، ظلتْ في حدود ذلك الواقع ودونما أن يخترقها حضورُ الفنتاسيا ، بشكلها الغيبيّ ، على الأقل . لا غروَ والحالة هكذا ، إنّ تكون " أبوة " محفوظ ، المفقودة ، بالنسبة للكاتب سليم بركات ، إشكالاً آخر لهذا الأخير . فتأثير الأعمال الأدبية العالمية ، المترجمة للعربية ، على الكاتب المنتمي لبيئتنا ، ثقافة ولغة قبل كل شيء ، لا يغنيه عن التكون على ما تراكم في ثقافته ولغته من أعمال أدبية ، كلاسيكية أو معاصرة . هذا الإشكال ، الموصوف ، تثيره فيما يتعلق بمحاولات بركات ، الروائية ، الإيحاءاتُ المعلنة ، أو الخفية ، المستمدة ثيماتها من تراث " الواقعية السحرية " الغربيّ والأمريكي اللاتينيّ ، سواءً بسواء . وفي روايته هذه ، قيد القراءة ، " معسكرات الأبد " ، ما كان لبعض النقاد إلا التساؤل عن مغزى خلفيتها التاريخية ، الضائعة في زحمة من الكائنات والأحداث والأحلام ، الفنتاسية بمعظمها : " يخيب هنا مسعى من يبحث في هذا العمل عن تسجيل روائيّ لفترة من تاريخ الشعب الكرديّ في المنطقة ، خصوصاً عندما يرى في الحدث وحده العلامة الفضلى لهذا التاريخ " . (2)

ثانياً ـ اللحظة التاريخيّة

كنا في دراسة سابقة ، قد أشرنا إلى الملامح الفنية التي يتسم بها أدب سليم بركات إنطلاقاً من عرضنا لأعماله الأولى . وفي روايته الرابعة هذه ، " معسكرات الأبد " ، نتتبّع تلك الملامح ، الموسومة ، منطلقين بدءاً من شكل الحكاية . هذه الحكاية ، نجدُ أنها تسجيلٌ فنيّ لحقبة زمنية ، معينة ، أكثر منه تاريخياً . أبطال وشخصيات تسجيله ، الموصوف ، هيَ كائنات بشرية أو بهيمية ، إستمدّها الكاتبُ من بيئته وبالتالي مما ترسّب من وجودها في وعيه ولا وعيه ، على السواء . وعطفاً على إشارتنا لما سلف من أعمال بركات ، كان لنا في حينه ملاحظة حول روايته الثالثة ، " الريش " ، كونها العمل المبرز بجلاء للمسألة التاريخية . وهيَ المسألة ، المرتبطة بأحداث فترة زمنية ، سابقة للحدث الراهن المبني سرد الرواية عليه : بمعنى أنها مرحلة ساقها المؤلف في إتجاه واحد ، مضطرد ، بما يجسّد تاريخيتها وكونها خلفية مصاحبة / ومتوازية لمصير شخصيات تلك الرواية . هكذا مرحلة ، تاريخية ومطوية ، يسترجعها سليم بركات في روايته ، " معسكرات الأبد " . وهوَ هنا ، يُعيد قارئه إلى حقبة من تاريخ منطقته ، لا لكونها حلقة مفقودة في أدب بلاده حسب ؛ بل ولرغبته الإفضاء بما عرفه عن أشخاص حقيقيين ، يمتون إلى داخل نفسه وخارجها ، أيضاً . هؤلاء الأشخاص ، وإن وجدوا مرة في بيئة الكاتب ، المحلية ، بيْدَ أنهم سيحظون بنعمة " الخلود " في أدبه ، بوصفهم نماذج فنية.

"معسكرات الأبد" ، كرواية تتمثل شخصيات حقيقية أو متخيلة ، يمتون للواقع بعديد من الروابط ، فهيَ تعالج فترة زمنية لا يصحّ فيها القول ، أنها صدىً لتجربة ذاتية . بيْدَ أنّ كاتبنا ، لم يقحم الوقائع التاريخية ، في عمله هذا ، دونما تمهيد ؛ كما إعتدنا من بعض روائيينا في مواضيع متشابهة . لا بل ، ليحق للقاريء الدهشة ، حقاً ، حينما ينتهي من الفصل الأول من رواية بركات هذه ، دونما أن تتاح له إلتقاط إشارة واحدة دالة على الإطار الزمني ، المفترض . يكاد القاريء ، المراقب لصراع الديكيْن ، " المهرجيْن " ، أن ينتابه الضجر من تلك التفاصيل الأكثر دقة ؛ على الرغم من كونها مشغولة ببلاغة كاتبنا ، الأخاذة . إلا أنّ إقتحام الغرباء ، الأربعة ، للهدوء والرتابة في حياة بنات " موسى موزان " ، في هذه الهضبة المتوحّدة ، يأخذ القاريء على حين فجأة ، وبالتالي يشده للنصّ : إنه عنصر المتعة ، الذي طالما أكد عليه " بارط " ، الناقد الفرنسي ، مؤكداً أن لا غنى عنه في بنية السرد القصصي (3) . يتكرر ، إذاً ، في الفصل الثاني ، مشهد الصراع الضاري بين الديكيْن ، وكذلك الأمر فيما يخصّ لقاء الغرباء ببنات " موزان " . على أنّ إشكالاً وجودياً ، سيدهَمُ الحكاية بظهور أشباح الموتى ، من آل هاته البنات : وهم " موسى " وزوجته وصهره ؛ إشكالاً يتفاقمُ ، بتمكن هؤلاء الأخيرون من محادثة الغرباء ، الطارئين على حياة الهضبة والذين يُضفى عليهم منذئذٍ الغموض والإلغاز .

الإطار الزمني ، المبنيّ عليه السرد في روايتنا ، لن يتأخرَ كثيراً لكي يجذب القاريء إليه ؛ وهوَ الإطار ، الشاهد لحدثٍ تاريخيّ في حياة المكان ( الهضبة ) ، متمثلاً بثورة الأهلين ضد الفرنسيين ، المستعمرين للبلاد ، في أواخر ثلاثينات القرن العشرين . بل إن التحديد الزمنيّ هنا ، صار من الآن فصاعداً عنصراً بالغ الأهمية في بناء الحدث التاريخيّ ، الموصوف ، وتطويره : كأن نعلم ، مثلاً ، بأنّ تلك الثورة ، التي قادها " سعيد آغا " ، في بلدة " عامودا " ، قد نشبت قبل ستة أعوام ، تماماً ، من حلول الغرباء في الهضبة ولقائهم بأشباح الموتى من آل " موزان " (4) . هكذا تحديد زمنيّ ، ما كان مسألة إعتباطية ، أو مفتعلة ، في بنية الرواية ؛ إنما هوَ تجسيدٌ لتنظيمها الداخليّ ، فيما يخصّ العلاقة بين الشخصيات والحدث . هذا ، دونما إغفال ملاحظتنا ، المبنية على حقائق تاريخية ، والتي تجعلنا لا نتفق مع الروائي ، فيما ذهبَ إليه من أنّ " سعيد آغا " قد إنطلق في ثورته على الفرنسيين من هذا الإعتبار : " ريثما يتحول إستقلال فعليّ لـ " عامودا " على الأرض إلى إمتدادٍ لنسبه العريق ، البهيّ ، في شمال سورية " ( معسكرات الأبد ، الصفحة 87 ) . علاوة ً على تأكيد السرد ، بأن قائد الثورة ذاك ، قد إلتجأ مع عدد من رجاله إلى جبال الأكراد ، في الجهة الأخرى ، الغربية ، من الإقليم الكردي . وفي المقابل ، يلقي السردُ الروائيّ ظلالاً قاتمة من الريب على تحركات الأمير " جلادت بدرخان " ؛ أبرز شخصية كردية ، متنورة ، في النصف الأول من القرن المنصرم . ذلك الأمير ، كان قد سعى لإقناع العشائر في الإقليم الكرديّ ( الجزيرة ) ، لقبول العرض الفرنسيّ المقدم لهم بشأن إقامة دويلة هناك ، على غرار ما إشترعَ للأقاليم الاخرى في دمشق وحلب وجبليْ العلويين والدروز . هذه التحركات ، العامل في إطارها أميرنا ذاك ، كانت وفق السرد من قبيل : " دخول عشيرة كردية ـ دمشقية على خط المصالحة بين الإفرنسيين وعشائر الجزيرة " . ( ص 93 )

لسنا هنا بصدد تفنيد معلومات الكاتب ، التاريخية ، أو مناقشة آرائه بخصوص ما سلف من أحداث . فهذا ، يُعتبر خارج حدود دراستنا . فالرواية ، بشكل عام ، هيَ خلق فنيّ قبل كل شيء ، يغض الطرفَ ، أحياناً ، عن مطابقة ثيماتها للواقع المستمدة منه موادها . إلا أنّ تلك الحقيقة ، الموصوفة ، لا تسمحُ بالتعميم ، الإعتباطيّ ، بما يودي بالرواية إلى فوضى الزمان والمكان . وإذ تحتفظ رواية بركات هذه ، بقيمتها الفنية ، إسلوباً وبنية ، فإنها لن تصمدَ أمام مسألة التأريخ ، علمياً : بمعنى أن ينبري أحدهم ، ليكشف بأنّ ثورة "سعيد آغا" في أواخر ثلاثينات القرن المنصرم ، كانت بمنأى عن الوعي القومي ، الكردي ، وأنها تلبّست شكلاً طائفياً واضحاً . هذا الشكل ، عبّر عنه طرفا النزاع من سكان الإقليم ؛ بدءاً بتبادل الإتهامات بين مسلميه ومسيحييه ، ومروراً بالصدامات المسلحة وإنتهاءً بالنزوح شبه الجماعي لأولئك الأخيرين من بعض بلداتهم وقراهم . ما كانت تركية الكمالية آنئذٍ ، ببعيدة عن مجرى الصراع ذاك ؛ هيَ التي أججته للضغط على المنتدبين الفرنسيين ، كيما يتخلوا لها عن لواء إسكندرون . هذه الحقيقة ، يؤكدها لجوء الزعيم " سعيد آغا " ، إلى الأراضي التركية وطلبه حق اللجوء هناك : فيما تذهب رواية بركات بالآغا نفسه ـ إعتباطاً أو جهلاً ـ إلى حِمى الجبال الكردية ، في سورية . دون أن ننسى الإشارة ، بإن العقلية العشائرية لهذا الزعيم الثوري ، كانت معروفة للملأ ، وقد أفضى بها السردُ بكل بساطة . إذ نقرأ في روايتنا ، عن سبب إنضمام " موسى موزان " للثورة تلك : " لأنه دقوري النسَب " ( ص 92 ) : أيْ أنه ينتمي لعشيرة الاغا ، نفسها .

ملاحظاتنا ، آنفة التوصيف ، قد تبدو كما لو أنها قناعة ٌ بصدع ما ، في البناء الفني لرواية " معسكرات الأبد " . على أنه رغم تلك الثغرات هنا وهناك ، فيما يخصّ واقعيتها التاريخية ، تبقى رواية بركات هذه ، عملاً فنياً على قدر وافر من الصدق والشفافية . فها هو بطلها " موسى " يقع صريعاً وزوجته برصاص دورية فرنسية ، عابرة : فيما أنّ روائياً آخر ، غير سليم بركات ، ربما ما كان في تلك الحالة من أعمال الثورة ، ليقبل بأقل من عرضهما كشهيديْن ، وطنييْن ، في ميدان المعركة أو خلال الغارة الجوية ، مثلاً . ثمة صورة صادقة اخرى ، طريفة ، عن سذاجة القرويين ؛ حينما يتوقع الناسُ إندفاعَ أولاد " حسين آغا " ، الذي إعتقله الفرنسيون ، بخيولهم ورجالهم للثأر من هؤلاء المستعمرين. ولكن المتحاورين ، يحيرهم هذا السؤال : " أين تقع فرنسة ؟؟ " (ص 155 ) . بيْدَ أن إشكالية الرواية تاريخياً ، تتقلب من وقائعها إلى لغتها وأسلوب سردها . هكذا إشكال ، يستبينه المرءُ في توقفه أمام لغة الحوار وأسلوب السرد ، بشكل خاص . كما في إلتقاء " سعيد آغا " ، إثر عودته للإقليم ، بأشباح الموتى من آل " موزان " ، فتجري بينهم محاورة على جانبٍ من العمق بلاغة ً وفلسفة : وهمُ القرويون ، أنفسهم ، الذين ما إنفك السرد يبوح بخلقهم البسيط ، الساذج . ثمة أيضاً ، تلك الأسطورة المتداولة ، عن مرور " تيمورلنك " في الإقليم ؛ والتي ترويها زوجة " موسى " لبناتها وبأسلوب غاية في الطرافة والمأساوية في آن : وهوَ أسلوب بركات ، بطبيعة الحال.

هاتان الملاحظتان ، الأخيرتان ، نحيلهما إلى ما سبق وأكدناه من كون الرواية ، أولاً وأخيراً ، بنية فنية يتماهى فيها التاريخ بالفنتاسيا . و " معسكرات الأبد " ، إذاً ، تعيد تسجيل حقبة زمنية ، مطوية ، تسجيلاً فنياً أكثر منه واقعياً . فضلاً على أنّ شخصيات الرواية ، قد خضعت لصنعة الكاتب ، الحاذقة ، كيما يتسنى لها التجسّد كنماذج فنية : أيْ ما كان بوسع هذه الشخصيات ، ربما ، إلا أن ترْسَمَ من الخارج بريشة الكاتب وأن تتكلم بلغته العربية ، البليغة ؛ بالرغم من حقيقة أنها لم تجدْ غير لغتها القومية ، الكردية ! من جهة اخرى ، الروائيّ كما يعلمنا النقدُ ، يقولُ ما يعجز التاريخُ عن قوله . فها هوَ بركات ، يتقمص أيضاً دور المؤرخ الإجتماعيّ ، فيجلي لنا مغامض عنوان روايته هذه ؛ "معسكرات الأبد " : حينما بُفاجيء قارئه ، بأنّ تلك المعسكرات الحاوية لأبنية متعددة الطبقات ، وسط العراء المحيط بالهضبة ، ما هيَ سوى منشآت المطار العسكريّ . معسكرات ٌ ، إقتحمت به الحضارة الحديثة عتمة َ ذلك الإقليم ، الكرديّ ، الغارق في لجة الجهل والتخلف والبؤس والظلم . فلا غروَ ، أن يحظى ذلك الإكتشاف المتمثل بتحليق الطائرة ، الأولى ، في أرض ذلك المطار ، بتسجيل فريد ، معبّر عن مشاعر سكان الإقليم . إذ نتابع بنات " موزان " ، وهنّ يرقبْنَ بذهول هبوط ما إعتقدنَ لوهلةٍ ، أنه طائرٌ ما ، من السماء إلى الأرض المستوية ، المرصوفة ، الملاصقة للهضبة. ( ص 266 )

ثالثاً ـ المدلولاتُ الرمزية

1 ـ الفنتاسي ، كخيار أدبيّ
أ ـ الأسلوب واللغة:

أعمال سليم بركات الروائية ، كما الشعرية ، تعدّ من النتاجات الأدبية ، الصعبة . ميزانُ تقييمنا لتلك الأعمال ، هوَ ما فيها من دلالاتٍ عميقة وصور متلاحقة ، تحتاج هنا وهناك لمستوىً ثقافيّ ، معيّن . فبركات ، كما إعترف بنفسه في أكثر من مناسبة ، ليسَ كاتباً شعبياً . على أنه للإنصاف ، يمكننا القول ودونما مبالغة ، أنّ الأدب العربيّ لم يحظ َ قبل محاولات كاتبنا هذا ، بأعمال إبداعية ، نثرية وشعرية ، زاخمة بهكذا قدَر من اللغة البليغة ، الحيوية ، وبإلإيحاءاتٍ الرمزية ، الفريدة . فضلاً عما في أعماله من أجواءٍ فنتاسية ، مماهياً إياها بهموم الواقع الراهن ؛ بخلقه من جديد كما لو أنه عالمٌ ميتافيزيقيّ ، خالصٌ . أسلوب بركات ولغته ، في تفردهما ، لهما من إدراكه ككاتب حداثيّ ، لماهية الفنّ ، أو لدوافع اخرى ، لا شعورية ، تحيل ربما إلى تجربته الذاتية إبداعياً . لا بدّ من ملاحظة إنعكاس الشكل الفنتاسي لرواية " معسكرات الأبد " هذه ، على بنائها اللغوي ، سواءً في السرد أو الحوار . فالمفردات هنا ، منتقاة بعناية ودراية حسْبَ الحدث وإشكاليته . مفردات ، فيها من القوة والعمق والفخامة والبلاغة ، وكأنما المرءُ يتلو من أحد الأسفار أو المزامير : " إنها كعُمُدِ العرش .. العُمُد التي نصبتها على المياه " (5) . تجربة سليم بركات ، لعلها في الآثار المكتوبة بالعربية ، هيَ الوحيدة المشغولة بإستنطاق مشاعر البشر والحجر ، سواءً بسواء . لا بد هنا من التأكيد ، انّ الطبيعة في أدب بركات ليست ميداناً أصمَ ، حال أنداده من الروائيين العرب ، أو أكثرهم . فالطبيعة لديه عاقلة ، واعية ، وهادفة أيضاً ؛ حتى أنها لتصدر إشارات خفية ، غامضة ، نفهمها بكل معمياتها وبما يجعلها أشبه باللوحات السوريالية ، بغرابة ألوانها وتكويناتها المحيّرة : " وقد بدت الطيورُ تتملق أقدارها في رياء ( ... ) حيث المكان ذاكَ ، يستطلع نفسه في مرآة " . ( ص 99 )

الصعوبة المفترضة في قراءة بركات ، الروائي ، جعلتْ أعماله مفتوحة على قراءاتٍ متعددة ، متيحة للمتلقي " الإشتراك " في عملية الخلق نفسها . فلا يكتفي القاريء بتأمل عالم الكاتب ، السرانيّ ، الذاخر بالألغاز والرموز والأحاجي والمعميات حسبُ ؛ بل وأيضاً إعمال الفكر فيه وصولاً لمحاولة مقاربة معضلاته وعقده . أدبُ بركات ، إذاً ، ليسَ رمزياً بالمعنى النظريّ للكلمة ؛ إلا بما تعنيه كلمة " الرمز "من إحالةٍ لتلك الحالة ، الموسومة ، لعالم الكاتب ، دلالياً على الأقل . يرى بعض النقاد ، أنّ الرمز إن هوَ إلا البرقع الشفاف الذي يحولُ بين المتلقي والعمل الأدبيّ ، بما يجعلَ رؤيته غيرَ مباشرة وبما يوافق ، أيضاً ، قدرة ذلك المتلقي على إستيعاب مضمون العمل . بيْدَ أنّ عالم بركات ، الروائي ، غيرَ معنيّ بالمضمون كغايةٍ للإبداع ، مثلما هوَ شائعٌ في أدبنا عموماً . فلغة النص ، لا يعطيها كاتبنا درجة متدنية من الإهتمام ، حال معظم أنداده من الأدباء ؛ والذين يرون فيها مجرّد " كساءٍ " لا يقدّم ولا يؤخر في مدى أهمية " الجسم " الكليّ للنص ؛ المتحدد بالمضمون ، المهيب . اللغة عند بركات ، هيَ بالنسبة للنص بمثابة جلده ولحمه وعظمه وروحه ، على السواء . إنه لا يعوّل على اللغة القاموسية ، الأحاديّة المعنى ، كما هوَ سائدٌ في تقاليدنا الأدبية . فكاتبنا عند هذه النقطة الحاسمة ، يُشاطرُ النقدَ الحديث في عمق رؤيته لأهمية اللغة الجديدة : " وذلك لأنه إذا لم يكن للكلمات سوى معنى واحد ، هو معنى القاموس ، وإذا لم تأتِ لغة ثانية لتضع الإضطراب في " يقينيات اللغة " وتحررها ، فلن يكون ثمة أدب " . (6)

ثمة أسئلة ، ربما تراود قاريء " معسكرات الأبد " ، التي بين أيدينا ؛ عن ماهيتها وهدفها وبطلها . لقد سبق لنا أن نوهنا دائماً ، بإعتماد بركات لأسلوب فنيّ ، متفرد ، بما فيه من إختيار للغة بليغة ومواضيع مستمدة من تجربته الشخصية أو بيئته الإجتماعية مماهياً كل ذلك بأجواء فنتاسية ، خالصة . إن عمله الروائي هذا ، على السياق نفسه من حيث الشكل والدلالات الرمزية ، وقد عاد فيه إلى ذات البقعة الجغرافية الما فتئت تكون مسرحاً لشخصياته وكائناته ، منذ سيرته الذاتية . هذه الأخيرة ، التي إستهلّ بها الكتابة النثرية ، لا نشك في كونها عملاً روائياً على قدر كبير من التماسك وحيوية اللغة . بيْدَ أنّ التفاصيل الكثيرة ، في " معسكرات الأبد " ، ربما تحجب عن قارئها فهم هدفها الفنيّ ؛ المتحدد قبل كل شيء بكونها تسجيلاً إبداعياً لحقبة تاريخية ، ما برحَتْ تفرض نفسها بإلحاح على الأجيال اللاحقة . علاوة على حقيقة ، أنّ البطل الرئيس ، أيضاً ، ضاعَ عن مرمى عينيّ القاريء ، في زحمة من شخصيات الرواية وكائناتها وأشباحها : إنه الشمالُ الكرديّ ، في مرحلة زمنية ما تزال كحلقة مفقودة من التاريخ المكتوب لبلادنا . وقد إختار سليم بركات ، هنا ، تلك الهضبة المتوحدة ليعرض لنا من خلالها لوحة ً شبه متكاملة ، لمجتمع ذلك الشمال ، في إحدى منعطفاته الزمنية : " كانت الهضبة التي تستوطنها بنات " موسى " تواجه قمة " الجودي " في الشمال الشرقي ، المنحدر إلى إقليم الشمس كلسان نديّ يبشّر بالقيامة كل يوم ، منذ الفضيحة الأولى للحياة " . ( ص 247 )

ب ـ بنية السرد :

حقلُ رواية " معسكرات الأبد " مكتظ بثمار الرموز والدلالات ، إن كان على صعيد ثيمة المكان والزمان أو ثيمة الشخصيات . الرمزُ ، إشكالٌ ولبْسٌ . فهو والحالة هذه ، متلبّسٌ بالمفارقة ، قبل كل شيء . لدينا هضبة ٌ ، مشرفة على " القامشلي " ؛ المدينة القديمة ، التي ما كانت في زمن السرد ، أكثر من قرية كبيرة . بيوتٌ قليلة ، متناثرة ، تتسلق تلك الهضبة ؛ منها المنزل الخاص بـ " آل موزان " / المكان المنذور لأبطال روايتنا ، أحياءً منسيين وأمواتاً مستعادين ومخلوقات خرافية وكائناتٍ حيوانية : جميعاً ، يتناوبون أقدارَ الحكاية بأقدارهم المأزومة ويشغلونها بمشاغلهم الخاصة ، ويشكلون بالتالي مأزقها . هذا المأزق ، يُبتده في السرد بمرور الطفلة " هبة " قرب بيت غامض ، يتراءى عن بعد محفوفاً بأشجار توتٍ قديمة ؛ وإستخدم على ما يبدو كمطحنة ، في زمن ما . الطفلة في مسيرها ، تحاذي النهرَ الصغير ؛ ثمة حيث شبح " جاجان بوزو " ، الذي يحرس الحقول : " من كل شيء ، حتى من الغيوم " ( ص 55 ) . تصلُ طفلتنا إلى حظيرة الدواجن ، وتمحضُ ديكيْها بنظرة إزدراء ، ساخرة منهما بخفة : " يا للمهرجَيْن ! " ؛ هما الديكان المتصارعان طوال الوقت / وطوال زمن السرد ، في الواقع . من هنا ، تنتقل " هبة " إلى بئر الدار ، لتنهرَ في طريقها كلبَيْ الدار ، ساخرة من فقدانهما لحاستيْ الشمّ والسمع : مفارقات ، غيرَ خافيَة الدلالة ؛ عن حقول محروسة من لدن شخص يحاول حجبها حتى عن الغيوم ، المشكل غيثها مصدراً وحيداً لديمومة خصبها ؛ عن ديكيْن ، متخاصميْن ، يتعاركان على مدار الساعة ، وهما الذكران الوحيدان ، بالنسبة لخصوبة دجاجات الحظيرة ؛ عن كلبيْن ، مكلفيْن بحراسة الدار ، وكل منهما أعزلَ من الملكتيْن الأساسيتيْن في حواسه .

منذ مستهل الحكاية ، ثمة هدوءٌ ورتابة أرخيا ظلالهما المتناعسة على الهضبة وقاطنيها ؛ وبالتالي على أجواء السرد . بيْدَ أنّ مفاجأة غير متوقعة ، تنتظرُ على باب دار المرحوم " موسى موزان " ، المقطون من لدن بناته . مفاجأة ، تمثلتْ بحضور أربعة غرباء ، لا يلبث كلّ منهم أن يقدم نفسه : " مكين " الرجلُ ، وشقيقتاه " نفير " و " كليمة " ومرافقٌ لهم ، ملثمٌ دوماً ، يحمل الأمتعة ويدعونه ببساطة " الكلب " . علاوة على أسمائهم ، الغريبة ، فالغموضُ يلف أولئك الغرباء ، الذين يُدخلون الحيرة في دواخل بنات " موزان " . الحيرة نفسها ، تنتقل ولا شك للقاريء ، أيضاً ، خاصة ً وهوَ يعبر قسطاً وافراً من مساحة النصّ ، دون أن يحظى بمعرفة إطاره الزمني . هذا ، مع أنّ السرد يكاد يؤكد للقاريء أنّ يوماً واحداً لما يمض بعد : وهوَ ما يحدسه المرءُ من التكرار الحاصل في مبتدأ الفصل الثاني للرواية لأكثرَ من مشهدٍ ، سبق وعرضه فصلها الأول ؛ كتفاصيل الصراع بين الديكيْن المتخاصميْن . ثمّ ينبثق حضورٌ آخر ، لا يقلّ غموضاً ؛ بظهور أشباح الموتى من أهل ذلك الدار نفسه : " موسى موزان " وزوجته وصهره ؛ وهذا الأخير ، هوَ والد الطفلة " هبة " : هؤلاء الذين وقعوا صرعى في حادثة واحدة ، قبل ستة أعوام من لحظة السرد الراهنة ، على خلفية ثورة الإقليم ضد المستعمرين الفرنسيين . ويضاعفُ ذلك الإشكال ، الموصوف ، في الطبيعة الخرافية للغرباء ، ما كان من تمكنهم ، لوحدهم ، من رؤية أشباح موتى الدار ، ومحادثتهم أيضاً : " إنهم يحتاجون إلى طباع الإنسان كي يستدرجوهُ من مكمنه " ( ص 85 ) ؛ يقول " موسى موزان " لزوجته ، مشيراً نحو أولئك الغرباء . نلتقط من الإشارة الأخيرة ، أنّ الغرباء ، الخرافيين ، لديهم " مهمة ما " . وما عتم السردُ أن ينبئنا ، دونما تأخير ، بكنه هذه المهمة : إنها محاولة إخراج كائن ، لا يقلّ خرافية ، يُكنى بـ " المخلوق الناري " ؛ هذا المتحصّن أزلاً في مكمنه بذلك المنزل المنعزل ، المكتنف بأشجار التوت .

2 ـ قِرانُ الفنتاسي بالواقعيّ

أ ـ المكان :

إذ نوهنا بإشكال الرمز في نص بركات الروائي هذا ، كما تجلى لنا في مسألة " المفارقة " ، فها هنا ثيمة اخرى ، تحيلنا إلى تعددية المعنى ؛ وهيَ ثيمة " البديل " . فعلى صعيد المكان ، ثمة منزل " آل موزان " / ومقابله منزل " المخلوق الناري " . بما أنّ مهمة الغرباء ، الملغزة ، هيَ إخراج ذلك المخلوق ، الغامض ، من مكمنه ؛ فإنّ السرد إختار له مأوىً مقابلاً لبيت آل " موزان " . إنه مكانٌ واحدٌ ، إذاً ، يقتسمه حضوران : أحدهما بشريّ ، واقعيّ / والآخرُ ، خرافيّ وفنتاسيّ . وكلاهما ، مضروبٌ عليه نطاق محكمٌ من العزلة ، كما لو أنه خارج العالم . وفي حين أنّ بنات " موسى موزان " ، المتوحدات ، يشغلن وقتهنّ بالثرثرة وإستعادة ذكريات قديمة ؛ فإنّ " المخلوق الناري " ، كأسير لمكانه ذاك ، كان لا يفتأ يُصدر طنيناً عالياً من حوله ، يثير أهالي المنطقة دونما أن يعيروه إهتماماً : قران الفنتاسي بالواقعي ، ملحوظ هنا من خلال إشارة السرد هذه ، الذكية ، لحقيقة أن بسطاء البشر ، في العادة ، لا يقتربون من الأماكن المهجورة . كذلك فإنّ وجودَ أشجار التوت هنا ، توحي بقدم المكان فضلاً عن قداسته ؛ بما نعلمه عن هذا النوع من الأشجار ، تحديداً ، كـ " سبيل " مباح الثمار لكل عابر : وهيَ مفارقة ، ما دام المكانُ على شيء من الرهبة ، بحيث يمتنع الناس من الإقتراب منه ، وبالتالي لا يفيدون من ثماره . إشارة اخرى ، تضافر ملاحظتنا آنفة التوصيف ، يوحيها السردُ بخصوص المكان . فالغرباء ، بصفتهم الخرافية ككائناتٍ " نورانية " ، متقمصة أشكالاً بشرية ، نراهم يهيمون في أرض تلك الهضبة بإصرار أعمىً ، ولكنه واع ٍ للمهمة الموكولة بهم ؛ ألا وهيَ إخراج ذلك المخلوق ، الغامض ، من مكمنه . إصرار هؤلاء على إستئجار حجرات منزل آل " موزان " ، لهوَ دلالة رمزية ، عميقة ، لحقيقة أنّ شعور الحاجة إلى مسكن ، يُعدّ من الخصائص المميزة للطبيعة البشرية : وهوَ ما كان في تفكير أولئك الغرباء ، في تقمصهم للأشكال الآدمية .

ثمة منحى ميثولوجيّ ، في روايتنا هذه ، تحيل إلى ثيمة " البديل " مكانياً . فها همُ موتى آل " موزان " ، في نشورهم الخرافيّ ، يلمّحون إلى " مهمةٍ " كانوا قد أوكلوا بها في حياتهم ، ثم بترها حادث مصرعهم على أيدي الجند الفرنسي : إنها حفر قناة مائية ، موصولة من النهر إلى منزل الأشباح ذاك ، المسكون بحضور مخلوقنا الناريّ ، ولهدفٍ محدد ؛ متمثل بتخليصه من أسر المكان . وهيَ المهمة ، التي سيواصلها الغرباءُ ، فور وصولهم إلى الهضبة ، وبعد مرور ستة أعوام على مصرع آل " موزان " . وإذا ضربنا صفحاً هنا ، عما تلعبه المياه في قصص الخلق والتكوين ، الميثولوجية ، كصلة بين العالم السفليّ والعالم السماويّ ؛ فلا يمكن فهم مغزى تلك القناة المائية ، على رأينا ، سوى بربطها مع إشارة اخرى في السرد ، واردة في حوارية بين أبطاله : " ألن تسألني لماذا إخترتُ الشمال ؟ " ، سأل المخلوقُ الناريّ . فأبدى حمالُ الأمتعة زفرة خفيفة دليل ضجره ، قائلاً : " تختارُ جهة المياه " ( ص 215 ) . إنّ سليم بركات ، في ذلك المنحى الفنتاسيّ ، الموسوم ، يرمز هنا إلى حقيقة واقعيّة ؛ من أنّ " شماله " ، بالذات ، من يتحكم بمنابع دجلة والفرات ، وبالتالي عصب الحياة في بقعة جغرافية كبيرة ، كالهلال الخصيب . ونورد ، أيضاً ، محاورة اخرى تؤكد مقاربتنا لما سبق : " قال الدقوري لموزان : " أنتَ شريكي " . وقال له أيضاً: " لديكَ المكان المشرف على المياه يا سيّد موسى ، أنتَ في الكمين " ( ص 244 ) . وقِسْ على ذلك ، تلك الإشارات الرمزية بخصوص المكان ، البديل فنتاسياً ؛ كجبل " جودي " وسفينة النبي " نوح " ، المستقرة عليه بعيدَ الطوفان . هذه الأخيرة ، كانت بنات " موسى موزان " يتوهمن رؤيتها بكل تفاصيلها : دلالة على رمز " الطوفان " ، الماثل أبداً أمام أنظار أهالي الهضبة المحاذية للجبل المقدس ذاكَ ؛ بما هوَ حلم خلاص للإقليم الكرديّ برمته ، عن طريق طوفان ما ، يزيح الشرّ معقباً إياه بنوع من اليوتوبيا / كمكان " بديل " لإنسانه الطامح للخير والمحبة والسلام .

ب ـ الزمن :

ثيمة " البديل " ، مترتبة على المدارج نفسها لما سبق بخصوص المكان وما سنعرضه بالنسبة لتوأمه ؛ الزمن . فثمة حضور الوقت الراهن للسرد / وحضور مقابله ، الوقت المستعاد ، المخبّر عن تفاصيل الثورة ، واقعياً وفنتاسياً هنا وهناك . موضوع الزمن ، في السرد ، لم يأخذ شكله التاريخيّ إلا من خلال التجربة الإنسانية ، الحية . فالغرباء ، مثلاً ، يشعرون باللحظة الزمنية كونهم تقمصوا أشكالاً بشرية وبالتالي مصائرها . هذا الواقع الراهن ، المتماهي بالفنتاسيا ، سيخترقه حضورٌ طاريء آخر ، خفيّ ؛ متمثل بإنبعاث موتى آل " موزان " ، في لحظة السرد الراهنة . هكذا إنبعاث للموتى ، أعقبه كما لو أنه ، بالضرورة ، إستعادة ُ لحظةٍ ماضية ؛ متحددة بحادثة مصرعهم على يد الفرنسيين ، وبالتالي إستعادة متوازية ، بدورها ، لأعمال الثورة الوطنية ضد أولئك المستعمرين ، الغرباء. جليّ هنا ، أنّ الإطار الزمني للرواية ، لم يتحدد إلا وفق ثيمة " البديل " نفسها ، الفنتاسية : إذ سبق لنا الأشارة إلى كون ذلك الإطار ، مبتده بزمن الأعوام الستة التي أعقبت مصرع آل " موزان " ومن ثمّ تحولهم إلى أشباح غير مرئية سوى من الغرباء ومن شبح آخر ؛ هوَ " سعيد آغا " ، قائد الثورة . إنّ الغرباء ، من خلال محاورة عابرة ، يُعيدون مغزى مهمتهم فيما يخصّ خلاص " المخلوق الناريّ " ، لكونها تكراراً ، رتيباً ، حاصلاً في كل ست سنين : " هيَ من خصائص الخلق في مراتبها السادسة " ( ص 150 ) . ولكن ، بالرغم من أجواء " معسكرات الأبد " ، الميتافيزيقية ، بقي فيها الزمنُ مسألة موضوعية ، وليسَ وهماً . لأنّ الزمن ، كما يعرّفه النقد ، هوَ عنصرٌ دراميّ في حركة الشخصيات والأحداث ، متأطرٌ داخل حدود الوعي الفردي وفي الحياة الداخلية ، النفسية ، للشخصيات .

كما سلف لنا ملاحظته ، في الحلقة الأولى من هذا المقال ، فالمسألة التاريخية عند كاتبنا بركات ، عموماً ، ما كانت حالة مفتعلة أو مقحمة في بناء عالمه الروائي . وفي روايته هذه ، وبالرغم من أجوائها الفنتاسية ولغتها المبهمة ، العصية ، فقد أحاط سردُها ، بحرفية فنية ، لافتة ، بالحدث الأبرز فيه ؛ ونعني به ثورة " عامودا " ، التي ما لبثت أن أشعلت الإقليمَ كله . حيوية السرد ، فيما يخصّ نقله ذلك الحدث ، تنعش ولا ريبَ مخيلة القاريء ، ومتعته يضاً ، وبالتالي قابليته لمواصلة القراءة . تتواصل على هذا ، اعمال الثورة ، ثم تطوى صفحتها بهزيمة قائدها ، " سعيد آغا " وفراره : الزمن الأول يستعادُ هنا ، واقعياً بإنكفائه لمشاغل نسوة الدار ( الطفلة " هبة " وأمها وخالاتها ) ؛ وفنتاسياً ، بما كان من تواشجه بمتابعة الغرباء ، في مهمتهم الغامضة ، والملاحقين بنظرات أشباح آل " موزان " ، التائهة . ولا يعدو الفصل الخامس ، والأخير ، من الرواية ، عن كونه الإطار الجامع لأزمانها جميعاً ؛ الواقعيّ والميتافيزيقيّ والتاريخيّ : يتمكن الغرباء إلى النهاية ، من إخراج " المخلوق الناريّ " من مكمنه ذاك ، فيتوجهون معه إلى جهة غير معلومة . ويتكرر لقاء أشباح آل " موزان " ، الموتى ، مع " سعيد آغا " ، قائد الثورة ؛ أو مع شبحه ربما ، ما دام السرد لم يكفّ عن إبهامه ومغامضه . هذا السردُ ، المؤذن نهايته مع عودة نسوة آل " موزان " لمشاغلهنّ اليومية ، المضجرة ، إلى حين لحظة هبوط الطائرة ، العجيبة ، التي تنتزعُ الهضبة برمتها من سكونها ، الظاهر على الأقل . ليبدو الزمن ، في لحظته المأزومة تلك ، كما لو أنه : " ذلك الفراغ المتوجّس كقلب نائم ، سيفيقُ على هلع " . ( ص 99 )

ج ـ الشخصيات :

وأخيراً ، تتجلى ثيمة " البديل " ، آنفة التوصيف ، في أكثر من معادلة على مستوى شخصيات " معسكرات الأبد " ، مما يُضافر تأكيدنا عليها ، المذكور للتو ، على مستويَيْ المكان والزمان . قبل كل شيء ، نلاحظ تطابق تلك الثيمة مع المعادلة التالية : حضورُ الأنسي من البشر / ومقابله ، حضور اللا أنسي من حيوان ونبات وجماد . هنا ، علينا الإشارة إلى أدب سليم بركات ، الذي أوجدَ عالماً خاصاً بأسلوبه الفنتاسي ، وعبرَ لغة شعريةٍ في إيقاعها الفني وصورها الحيّة ، المرتبطة بالطبيعة إرتباطاً عميقاً غيرَ منفصم . لا غروَ إذاً ، ونحن نقرأ في " معسكرات الأبد " ، كيف جعل كاتبها لكل من المظاهر الطبيعية والكائنات وحتى الموجودات ، مشاعره وهمومه ومناجاته التي أحسنَ فهمها ، ومن ثمّ ترجمتها إلينا . فموهبة كاتبنا ، في هذا المجال خاصة ً ، تثير في القاريء أحاسيس التعاطف مع تلكَ " الأشياء " ، الموسومة ، حتى عندما تقدّم إليه في محاكاة عبثية ، هزلية ، أو في إيماءٍ ، صامت ، خلل وقائع الحياة اليومية ، الرتيبة . وإذ تعرض الرواية هذه ، مقداراً وافراً من تفاصيل ما دعته بـ " الشؤون الحيوانية " ، فإنها لا تفاجيء قارئها ؛ وهيَ المفتتحة في صدر صفحتها الأولى بسجل تعريفيّ لأبطالها ، تضمّن َفيما تضمّنه أسماء بعض الدواب والطيور ، جنباً إلى جنب مع أسماء الشخصيات الإنسانية . وعدا عما أكدناه ، فيما سلف ، من كون تيمة " البديل " هذه ، إن هيَ إلا إضفاء من الكاتب للأجواء الفنتاسية على عمله الروائي ؛ فإنها تحيلُ أيضاً إلى إرتباطه بجذوره الأولى ، الريفية ، وإستعادة ذاكرته لها ، عبرَ صور مدهشة ، متفاعلة مع طبيعتها بكل تلاوينها وأشكالها وإحتمالاتها . كما في إشارته لمعدات المطار ، المتطايرة : " كأنما يحلجها الله حلجاً ، كالصوف على وتر مشدود بين الأرض والقيامة " . ( ص 139 )

خلصنا إلى القول ، أنّ إعتماد الكاتب في روايته هذه على ثيمة " البديل " ، المذكورة فيما سلف من مستويات السرد ، كان تحقيقاً لأجوائه الفنتاسية من جهة ، وتجسيداً لرمزيته من جهة اخرى . وهوَ ما سنتطرق إليه لدى إستقرائنا لتلك الثيمة ، في ما يخصّ أبطال الرواية الواقعيين ، وأولئك الخرافيين . ثيمة " البديل " ، فيما يخصّ شخصيات الرواية ، نقاربها أيضاً في معادلة اخرى ، مزدوجة ، إن صحّ التوصيف : حضورُ الغرباء الفرنسيين / مقابل حضور الغرباء الخرافيين ؛ وحضورُ بنات " موزان " / مقابل حضور أشباح الموتى من أهل هاته البنات . الطرف الأول ، من المعادلة هذه ، يحيلنا إلى الخلفية الزمنية ، التاريخية ، للرواية . ونعني هنا ، تلك الثورة التي نشبت في الإقليم ضد الفرنسيين ، الغرباء . فلا تمضي أعوام ستة على إنتهاء أعمال الثورة بإنتهاء حياة " موسى موزان " على يد اولئك المستعمرين ، إلا وبناته كنّ على موعدٍ مع مفاجأة غير متوقعة : حضور أربعة من الغرباء ، بينهم شخص ملثم على الدوام . إعتباراً من هذه اللحظة ، ستكون الأجواء الفنتاسية ، المتماهية بإستعادة الحدث التاريخي ، الموسوم ، هي الطاغية على السرد . فالغرباء الأربعة ، ربما يرمزون بعددهم إلى الوطن الكرديّ ، المربّع الأقاليم . فضلاً عن حقيقة ، أنّ حضور هؤلاء الأربعة ، الفنتاسيّ ، إلى الهضبة ، لم يكن بمعزل عن حضور آخر ، واقعيّ ؛ متمثل بالمستعمرين ، الغرباء ، وكما لو كان بمثابة البديل له . إن مهمة الأولين ، الغامضة ، في إخراج " المخلوق الناري " من مكمنه ، وتحريره من أسره بالتالي ، قد يكون دلالة على توق الهضبة إلى الخلاص من ربقة الإستعباد ، حتى ولو كان ذلك عبرَ إستحضار الأشباح والكائنات الخرافية : ولكن ، إلامَ يرمز السردُ بهذا المدعو " المخلوق الناري " ؟

قلنا أنّ الغرباء ، إلى النهاية ، قد نجحوا في مهمتهم ، وتمكنوا من تحرير ذلك المخلوق ، الخرافيّ . هاهوَ مرافقهم ، الحاملُ للأمتعة ، والمنعوتُ بـ " الكلب " ، يحسر لثامه ، للمرة الأولى ، حينما يخرج ذلك المخلوق من مكمنه : " كانت للإثنين الملامح ذاتها " ( ص 213 ) . يناول الأولُ للثاني ، الشبيه ، أحماله الثقيلة ثمّ يمضيان مع الغرباء الآخرين ، إلى جهة غير معلومة. إنّ ثيمة " القرين " ، الأدبية ، ظاهرة جلياً هنا ؛ وهيَ من إشتقاقات " البديل " ، كمفردة ومصدر ، والتي دأبنا على إستعمالها في هذه المقاربة . لقد إتضحَ شبْهُ ذلك " الكلب " لقرينه " الناريّ " ، شكلاً ، ومن ثمّ عملاً ، بما كان من أخذه لأمتعته وحملها بدلاً عنه : إنها أثقال حديدية ، كانت تثقل كاهل ذلك المرافق للغرباء ، والصامت طوال السرد وحتى لحظة إخراج شبيهه من مكمنه . وعلى رأينا ، المُحال إلى تفسير مهمة الغرباء ، الآنف الذكر ، فهذه الأثقال ليست سوى ترميزاً للمظالم والهموم ، الثقيلة ، التي ينوء بها كاهل أهل الهضبة ، المضطهدين . أما ذلك " المخلوق الناري " / وقرينه المفترض " الكلب " ، فنستقرىء من إشارات السرد إلى كونه إشارة لذلك الملاك العاصي ، الذي رفض الركوع لأبينا " آدم " ، هاتفاً بمكابرة : " أنا من نار وهوَ من طين " . فكان أن إستحقّ ذلك الملاك ، " الناريّ " ، لعنة الأديان السماوية ، كافة ؛ فيما تمّ تخليده من لدن الديانة الإيزيدية ، الكردية ، كإلهٍ مهاب على شكل طائر جميل ؛ بإسم " ملك طاووس " ، مقيم أبداً في الظلمة والكثافة .

ولكن ، ها همو أشباحُ آل " موزان " ، يحققون الطرف الآخر ، من تلك المعادلة الموسومة : أيْ حضورهم ، الخرافيّ ، البديل / المقابل لحضور النسوة القريبات من آلهم ، الواقعيّ . ما كان ذلك الحضور هنا وهناك ، إلا بهدف إستعادة اللحظة الزمنية ، الماضية ، بما هيَ من إمسترجاع لحدث تاريخيّ هام ، في حياة الهضبة ؛ أيْ الثورة على الفرنسيين . إنها الثورة ، التي ذكرنا مراراً ما يخصّ تأثيرها البالغ على حياة نسوة آل " موزان " ، الراهنة ، بسبب إختطافها لحياة عدد من اعضائها . ها هوَ أحدهم ، " موسى " ، يُستحضر في السرد ، كشبح ، رفقة شبحَيْ زوجه وصهره . إنهم في سبيلهم لإتمام تلك المهمة ، التي أخذوها على عاتقهم حينما كانوا أحياءً : مدّ قناة مائية من النهر ، صوبَ ذلك المكمن المحتبي كائنه ، الناريّ . يبدو أنّ هذا الأخير ، كان حاضراً دوماً في الخيال الشعبيّ لأهل الهضبة ، الحقيقيين ، الواقعيين . ثمة إشارة ، في سيرة سليم بركات ، الذاتية ، تعزز يقيننا هذا ؛ والمُحيل إلى ما نفترضه من ترقب إجتماعيّ ، على شاكلة " إنتظار غودو " . ففي تلك السيرة ، نقرأ عن مخلوق خرافيّ ، لا يقل حضوره خراقة عن حضور مخلوق روايتنا ، الناريّ : " ونسألُ : " أماتَ " ميرو " ؟ " . فيردونَ : " لا . مضى بقطيعه من الأكباش الشيطانية ، ذاتَ غروب ، متوعداً بإقتحام الأرض ، مضى إلى الجهة التي تظل ظلاماً " (7) . تلك الأجواء الفنتاسية ، الموصوفة ، ما كان ليستقيم حضورها في النصّ الروائي ، إلا لكونها حاضرة ، " واقعياً " ، في ضمير شخصياته . وبإنتظار " ميرو " / أو ذلك " المخلوق الناريّ ، طلباً لليوتوبيا ، المخلصة ، ستظلُ الهضبة مرهونة ً لأسباب الصراع القوميّ ، والإجتماعيّ أيضاً . هذا الصراع ، الذي رمز له الكاتب ، بكثير من الموهبة ، في نزاع الديكيْن " رَشْ " ( ومعناهُ بالكردية : أسود ) ، و " بَلكْ " ( ومعناهُ : أبيض ، أو كناية له ) . بما كان من متابعة قاريء " معسكرات الأبد " لهما ، في نزاعهما على الإستئثار بعالم الهضبة . بيْدَ أنّ ذلك الصراع ، كان في مستهل كل فصل من الرواية ، أشبه بالتهريج منه إلى الضراوة . حتى يمسي صراعُ الديكيْن مميتاً ، ما أن تستهلّ الصفحات الأخيرة ، من السرد ، بخروج " المخلوق الناري " من مكمنه ، وظهور " سعيد آغا " مجدداً ، ثمّ هبوط الطائرة على أرض ذلك المنبسط المحاذي للهضبة . هدير تلك الطائرة ، يختلط بصراخ " جاجان " ، الذي ما عتم أن فقد عقله لمرآها وهي تنقض على مشهد الحقول والمياه ، المكلف بحراسته بهوسه المريض : وهوَ مشهدٌ ، جدّ مأساويّ في رمزيته ، يوحي بوصول الحضارة الغربية ، إلى الإقليم ، والمترافق مع دمار روح إنسانه ، المُستعبَد .

الهوامش

1 ـ شعيب حليفي ، شعرية الرواية الفنتاستيكية ـ مجلة "الكرمل" الصادرة في قبرص ، العدد 40 / 41 لعام 1991 ، ص 116
2 ـ كاظم جهاد ، " معسكرات الأبد " لسليم بركات ـ مجلة " الكرمل " ، العدد 48 / 49 لعام 1993 ، ص 330
3 ـ رولان بارط ، درس السيميولوجيا / الترجمة العربية في الدار البيضاء 1986 ، ص 40
4 ـ سليم بركات ، معسكرات الأبد ـ الطبعة الأولى في بيروت 1993 : وجميع إستشهادات دراستنا ، مأخوذة من هنا

5 ـ سليم بركات ، معسكرات الأبد ـ الطبعة الأولى في بيروت 1993 : وجميع إستشهاداتنا هنا ، مأخوذة من هذه الطبعة
6 ـ رولان بارت ، نقد وحقيقة ـ الطبعة العربية في حلب 1994 ، ص 84
7 ـ سليم بركات ، هاته عالياً ، هاتِ النفير على آخره ـ بيروت 1982 ، ص 19

تنويه : هذه الدراسة النقدية ، نشرتها عام 1993 ، في صحيفة "الحياة"، اللندنية؛ وأعيدُ نشرها هنا مع بعض التعديلات.

dilor7@hotmail.com


بريدك المجاني الخاص
اسم الدخول
كلمة السر

»  مستخدم جديد؟ اشترك الآن!


Google


صورة الاسبوع


www.amude.com | © 2000-2004 amude.com [ info@amude.com ]
destpêk | start: 26.09.2000