www.amude.com
   كردي - عام - مستقل - www.amude.com   Kurdî Deutsch
 
10.10.2006 - 01:07 [ قرأت هذه المادة 1969 مرة ] [ طباعة ]
----------------------------------------------------------------------------------

ثقافة الإلغاء

عبده وازن

ليس أمهر منكم أنتم الأدباء العرب في إلغاء بعضكم بعضاً!

هذه الجملة قالها لي مرة كاتب فرنسي كان يسعى الى إعداد مختارات من الأدب العربي الحديث وفشل في الوقوف على المشهد الأدبي الذي كان ينوي ترسيخه في المختارات. والفشل كما اوضح لاحقاً كان سببه التضارب في آراء الأدباء والاختلاف حول الاسماء والاجيال، ورفضُ فلان زميلاً له وعدم موافقة علان على إدراج اسمه مع رفيق يجايله... لم يستطع الكاتب الفرنسي الذي يلم بالعربية إنجاز مشروعه حينذاك فأجّله وما زال حتى الآن في حكم المؤجل.

تذكرت هذه الطرفة عندما كنت أتصفح العدد الاخير من مجلة أكسيون بوتيك (العمل الشعري) الفرنسية وقد ضم ملفاً عن الشعراء السوريين. فالمجلة ارتكبت خطأ لن أقول فادحاً في اختيارها اسماء وإسقاطها أسماء يصعب اسقاطها او اقصاؤها. والخطأ ليس بريئاً حتماً ما دام قد شارك في الاختيار شخصان سوريان، إضافة الى معدّ الملف الشاعر الفرنسي جان بيار بالب. حضر أحد عشر شاعراً سورياً من أجيال عدة، بعضهم يستحق الحضور وبعضهم لا يستحق، وغاب إسمان مهمان هما: سليم بركات ونوري الجراح. أما غياب أدونيس مثلاً ومحمد الماغوط وسواهما من جيل الرواد فلم يبدُ لافتاً، فهذان الشاعران يستحقان ان يظهرا منفردين في كتب خاصة بهما، وأدونيس اصلاً ترجم الى الفرنسية ترجمة شبه كاملة وأصبحت المختارات وراءه ولم تعد تعنيه البتة. ولكن ان تختار المجلة اسماء شابّة وبعضها دون المستوى، وتحذف اسمي سليم بركات ونوري الجرّاح فهذا أمر مفضوح و مدبّر حتماً، وثمة يد في الخفاء عملت على حذفهما واغتيابهما وإلغائهما. لن تضيف المختارات أيّ ألق أو هالة الى شعرية بركات والجرّاح، وهما لا يحتاجان أصلاً الى أي اعتراف أجنبي بفرادتهما، بل إن المختارات نفسها هي التي تحتاج اليهما لتكتمل وتمثل حقيقة المشهد الشعري السوري المعاصر هذا ما يعرفه المشرفون على الملف كل المعرفة.

المخزي في هذه البادرة ليس تغييب شاعرين بل فكرة الالغاء نفسها، هذه الفكرة التي ما برحت تهيمن علينا، نحن الأدباء العرب. يلغي الواحد الآخر بشحطة قلم وكأن الآخر لا يستحق ان يوجد. جيل يمحو جيلاً وجماعة تغتاب جماعة وأفرادٌ أفراداً. وغالباً ما تظهر هذه الآثام في المختارات والمؤتمرات والمهرجانات واللقاءات... فكرة لا تخلو من النميمة والطعن في الظهر و القتل المجازي. ولا تخلو كذلك من الأنانية التي تتجلى في الأنا المتضخمة التي تدفع صاحبها الى اختصار الآخرين في شخصه. يحضر هو وفي ظنه أن حضوره يكفي ولا حاجة الى الآخرين. وكم من شاعر اكتفى بنفسه في تظاهرة كان يفترض بها ان تكون جماعية. بل كم من روائي حذف الروائيين الذين قبله والذين بعده طارحاً نفسه وكأنه الأول والأخير.

نقرأ في بعض الموسوعات والمجلات الاجنبية ان الشاعر أدونيس هو الذي أسس مجلة شعر وحده. طبعاً لا يقع هذا الخطأ على عاتق أدونيس، وقد بات شائعاً في الغرب. ولكن ليت أدونيس يسعى الى تصحيح هذا الخطأ الذي يلغي شخص الشاعر يوسف الخال صاحب المجلة ومؤسسها، وكذلك الدور الذي أداه في ترسيخها مع الجماعة.

يختار كتاب في جريدة عملاً للروائي الياس خوري قبل أن يُدرج اسمين هما من مؤسسي الرواية اللبنانية: توفيق يوسف عواد ويوسف حبشي الأشقر، وحتى الآن لم يُدرج أي من هذين الاسمين في اللائحة، علماً ان الاشقر هو الأب الحقيقي للرواية اللبنانية. وليت الياس خوري رفض إدراج اسمه قبل اسم صاحب لا تنبت جذور في السماء.

شعراء عراقيون يلغي بعضهم بعضاً في حملة عدائية وكأن المعترك الشعري ساحة حرب تتم فيها تصفية حسابات قديمة!

لا تقتصر فكرة الإلغاء على هذه الظواهر فقط، انها تشمل ايضاً المهرجانات واللقاءات والترجمات. أحياناً يخيل الينا ان هناك قائمة تضم اسماء هي نفسها تتوزع معظم المهرجانات واللقاءت لا سيما العالمية منها. يد خفية ايضاً كأنها تكتب الاسماء ولا احد يمحوها من ثم. ومن يكتب اسمه على هذه اللائحة تحل عليه نعمة التنقل بين مهرجان وآخر. أما في حقل الترجمة الى الاجنبية فالأمر أشد فداحة. وهنا تلعب العلاقات لعبتها البشعة ويتم إلغاء اسماء لمصلحة اسماء وتشطب اسماء كبيرة لتحل محلها اسماء عادية وعادية جداً في أحيان. وهنا ايضاً تستفحل فكرة الالغاء، إلغاء الآخرين الذين هم الأحقّ في أن تترجم أعمالهم الى الاجنبية.

فكرة الإلغاء او لنقل ثقافة الإلغاء هي أبشع ما تكابده حياتنا الأدبية. الالغاء هو لا شك نوع من أنواع القتل المجازي. حين أشطب اسمك ألغيك، أي أقتلك رمزياً. وإذا كنت بلا سلطة، أياً تكن، فأنت عرضة لهذا الموت المجازي. أما إذا كنت صاحب سلطة ولو ضئيلة، فأنت قادر على فرض اسمك في المختارات والمهرجانات واللقاءات...

هكذا بضربة قلم ألغي سليم بركات ونوري الجراح، وبضربة قلم أخرى حضرت أسماء لا تستحق ان تحضر فعلاً. ترى هل تريد تلك اليد الخفية ان تنفي سليم بركات إلى جذوره الكردية وأن تبقي نوري الجراح في منفاه القسري؟

الحياة - 09.10.2006


بريدك المجاني الخاص
اسم الدخول
كلمة السر

»  مستخدم جديد؟ اشترك الآن!


Google


صورة الاسبوع


www.amude.com | © 2000-2004 amude.com [ info@amude.com ]
destpêk | start: 26.09.2000