www.amude.com
   كردي - عام - مستقل - www.amude.com   Kurdî Deutsch
 
29.08.2006 - 00:34 [ قرأت هذه المادة 2174 مرة ] [ طباعة ]
----------------------------------------------------------------------------------

رحلاتٌ إلى مَوطن الجرْمان

دلور ميقري


دلور ميقري بعد فوز ألمانيا على الأرجنتين في مونديال ألمانيا 20006 في مدينة هالترن الألمانية.

مُسْتهلّ السَفر

إنها المرة الرابعة ، التي أجدني فيها زائراً لموطن غوته وبيتهوفن وهيغل ونيتشه. وهي أكثرُ المرات في رحلاتي إلى جوانب الأرض، على قلتها، المتسمة بالإثارة: كيفَ لا، إذا كان الأمرُ هنا متعلقاً بمونديال العام 2006؛ المونديال المُعتبر، بحق، من أكثر مسابقات كأس العالم، عبر عمرها المديد، تنظيماً وحضوراً وإهتماماً. غنيّ عن التأكيد، في هذه المناسبة الكروية، ما سأعترفُ به للقارئ من عزوفي عن شؤون الرياضة إلى مشاغل أخرى، أقلّ فائدة للبدن والحواس؛ حدّ اعتيادي ممازحة الأصدقاء بالقول، أنني لم أمارس تمارينَ وألعاباً مُذ دورتي العسكرية، العتيدة، في نهاية سبعينات القرن الآفل ! بيدَ أنّ مسابقات كأس العالم، بما هي عليه من جاذبية جماهيرية، غامرة، ما كان لمغناطيس سحرها هذا، سوى شدّ حديدية أكثرَ الناس لامبالاة.

أذكرُ في هذا المقام، أيضاً، حماسة فتوتي، لما تسنى لي متابعة المباراة النهائية لمونديال عام 1970. كانت تلك ربما، هي المرة الأولى التي ينقلُ فيها التلفزيونُ السوري حدثاً عالمياً بهذا المستوى، وعبر الأثير المباشر. فرحتنا في ذلك اليوم المشهود، بمتابعة المباراة وتكحيل العين بمرأى " بيليه "، لاعب البرازيل الأشهر؛ تلكَ الفرحة الطفلة، نُغِصَتْ علينا ليلتئذٍ، بانقطاع التيار الكهربائيّ عن مُجْمَل حيّنا، الشعبيّ؛ الحيّ الدمشقي، العريق، المؤسس قبل ألف عام من لدن أسلافنا الأيوبيين، الكرد. كنا صغاراً، ملمومين في جيرة الزقاق الواحد، يجمعنا شغفٌ بالألعاب والمغامرات الموزعة بين مرابع الغوطة المترامية على حدّ الحيّ الجنوبيّ، والمنحدرات الجبلية المشكلة حدّه الشماليّ. وكحال أترابنا في كل مكان من المعمورة، ما كان للكرة الأثيرة، المصنوعة من المادة المطاطية، القاسية والمرنة في آن، إلا أن تأخذ بلبابنا وتشغل أوقات فراغنا. هذا، على الرغم من حقيقة ملاعبنا العشوائية، التي لم تك أكثر من أرض متربة، جهدت السواعد الفتية في معالجة وعورتها وجعلها منبسطة، تكاد لا تميّز عما يُجاورها من أراض سوى بكومتيْ أحجار في كل جهة، مُشكِلة للمرمى العتيد: ستمضي أعوامٌ عديدة على أعمارنا، قبل أن نعرف الفرقَ الفادح بين ملاعب الأطفال، الأنيقة، اللائقة بإسم أوروبة، وتلكَ " الملاعب " التي كانت منذورة لطفولتنا البائسة.

إشارتي السالفة، في هذا المُستهل، إلى كون مونديال العام 2006، هوَ الأكثر تنظيماً، يُحيل بشكل أخص لإحدى خصال الجنس الجرماني، الحميدة؛ أيْ الشغف بالتنظيم والترتيب والأناقة. فكلّ زائر لهذا البلد العظيم، لا بدّ وأن يسترعيه، منذ وهلة الإطلالة الأولى، تلك الخصلة الموصوفة. وسيُدهشه كذلك، ألا يلمحَ لمسة قبيحة، واحدة، منفرة للذوق، في أيّ زاوية أو ركن من بلدٍ كبير مساحة ً وسكاناً، بحجم ألمانية. ربما أنّ المرء سيلاحظ هوّة ما، بيّنة، بين المواطنين المنتمين لأعراق ومشارب متباينة؛ وخاصة ً المنحدرين من الدول الإسلامية، والمشكلين ما يُشبه مجتمعاً منفرداً عن غيره، بتقاليده وعاداته وأهوائه. إلا أنّ لهذا حديثٌ آخر. وعلى كل حال، فالمؤكد أنّ مونديال العام 2006، المميّز، ما كان له أن يحظى بهذه الصفة إلا لمطابقته المِيزات الألمانية، التي جئنا على ذكر بعضها. هذه الميزات الفريدة، من المستحيل ألا تنطبعَ في ذاكرة الزائر لتلك البلاد الشاسعة، المفرسخة على أقاليم متعددة، فديرالية النظم، متنوعة المناخات والثقافات والأذواق.

رحلتي الأولى، كسائح ٍ مُعْتبَر، إلى موطن الجرمان، الجميل، أعطيتها هذا العنوان: " إكتشاف أوروبة "؛ العنوان الطريف، الذي مازحتُ به مرة ً أصدقائي. تسنى لي قبل ذلك، كمهاجر ٍ غير شرعيّ، أنْ أمرّ مرور " غير " الكرام عبْرَ قلب أوروبة، النابض، هذا. حصل ذلك في ربيع عام 1988، حينما كنتُ في القطار المتوجّه من هولندة إلى الدانمرك، وفي خبيئتي جوازُ سفر يونانيّ، مزيّف، ونيّة ُ الإستقرار في السويد؛ أين تقيم أختي الكبرى. كانت ليلة ٌ غامضة، يشوبها الضباب ورذاذ المطر المتهاطل، المتصادمة قطراته بزجاج نافذة مقصورة القطار؛ هذه التي إندسستُ فيها جنباً إلى جنب مع شبان أوربيين، متعابثين، غيرَ منتبهين لهواجسي ومخاوفي. على حين فجأة، ينبعثُ صوتُ الموظف، المُسجّل، معلناً إجتيازنا الوشيك لمرفأ مدينة " هامبورغ "؛ المدينة الألمانية، الكبيرة، التي سأعود إليها بعدَ حوالي الخمسة عشر عاماً، وفي جيبي الظاهر جوازُ سفر ٍ سويديّ، أصليّ.

طريقٌ وسوقٌ

في سفينة ركابٍ، هائلة كفندق متنقل، تنوّقنا بحرَ الشمال، الهائج، في طريقنا من مرفأ " غوتنبورغ "، السويدي، إلى مرفأ " كيل " الألماني. بدَت السفينة ُ ليلتئذٍ طفلة ً كبيرة، مرحة، متأنقة بزيّ الأعياد، ومتراقصة على أنغام موسيقى الميلاد ورأس السنة. هلّ الفجر عليّ من ثمّ وأنا في يقظةٍ حثيثة، لألمح خللَ كوة مقصورتنا عمائرَ الجرمان، العملاقة. ما أسرع أن إفترقتُ عن رفيق الليل، البحريّ، فرأيتني في السيارة المتجهة إلى برّ " هامبورغ "، صحبة مُضيفي؛ الصديق العتيق خالد محمد، الذي إلتقيته بعد الأعوام الطوال، الصقيعية، للغربة. وكالعادة الطيبة المتأصلة فيها، أصرّتْ زوجة صديقي أن تكون في إستقبالي؛ وككلّ مرة أيضاً، ستبدي الإصرار نفسه على تحمّل مشاق الطريق، حينما يلوحُ وقت وداعي. قلنا أنّ السيارة ـ ولم تكن أقل قِدماً من عُمْر فراقي لصاحبها ـ قد أقلتنا من مدينة " كيل "، الساحلية، فما لبثنا ردحاً من الوقت إلا ونحن على الطريق السريعة؛ المُسماة " أوتوبان "، بلغة الجرمان.

منذ أعوام الجهالة، وبالكاد كنتُ على معرفةٍ بدروب بلادي، تناهى إليّ من أحاديث الأتراب ما يمكنُ وصفه بـ " الأسطورة الألمانية ". فعلى الرغم من كرهي، المبكر، لكل ما يمتّ بصلة لعالم السيارات، إلا أنني كنتُ مضطراً أحياناً للإصغاء لثرثرات الأصدقاء، عن " المارسيدس " وأخواتها. وبما أنّ الكلامَ يجرّ إلى شبيهه، فكان لا بدّ لحديثُ المركبات، المعجزة، أن ينتهي عند الطرق السريعة، الأكثر إعجازاً، والتي من المفترض أن تحتبيها. هذه الطرق، تأتى ليَ أخيراً وعلى مشارف خريف العمر، أن أجتازها. وإذا نحينا جانباً أساطير الطفولة والفتوة، فالحقّ أنّ " الأوتوبان "، العملاق والمرعب كعفريت الحكايات، كان جديراً بأسطورته: خطوط ٌ متطاولة، لانهائية، من متوازيات مثلثة ومربعة؛ خرسانات ٌ هائلة، مُظهّرة بالإسفلت ومُبطنة بالإسمنت المسلح؛ تقاطعاتٌ في / ومن كل صوب، كمخارج لتلك المتاهة، أو كمداخل ضافية لها؛ طوابيرٌ من هولات ذوات المقطورتيْن، تتهادى بأمان يمين الطريق، فيما تتطاير في أوسطه وإلى يساره مسوخٌ من سيارات وحافلات، مختلفة الأحجام والماركات وبسرعة قصوى لا يحدّها قانونٌ؛ جدرانٌ عالية، إسمنتية وحجرية وخشبية وزجاجية، تحفّ بالطريق السريعة كما لو أنها أسوارُ قلاع تتصدى لغزو لجْبٍ من مركبات العدوّ: ذاكَ كله يتراءى للمرء، الغريب، حين معاينته للأوتوبان الألماني.

" شفارتزنبك "، ( وتعني بالألمانية: الرابية السوداء )، هو إسمُ البلدة المُضيفة. في ذلك الشتاء من أواخر العام 2002، الشاهد لرحلتي، كانت أعوام ثلاثة قد مضت على إقامة صديقي فيها. إنها بلدة صغيرة، تنتمي بيئة ً ومناخاً لريف الشمال الأوروبي، مشكلة ً مع مدينتيْ " هامبورغ " و " لوبيك " ما يُشبه المثلث. إعتباراً من سفرتي الألمانية، الثانية، المصادفة للعام التالي، سيكون كلّ من هاتيْن المدينتيْن بمثابة محطة وصول وإياب لي، بإستخدامي بطاقات السفر، الرخيصة نسبياً، والتي توفرها شركات الطيران المستخدِمة، بدورها، لمطاريْهما. كان شتاءُ تلك السنة قاسياً، شبيهاً بشتاءات السويد، الإسكندينافية، المعتادة؛ حيث معدلات درجات الحرارة، في الوقت نفسه من العام، تتهاوى دوماً تحت الصفر. إلا أنّ خيبتي من المناخ المكفهر، ما عتمت أن إنجلت في سطوة الزينة الحميمة لمناسبتيْ الميلاد ورأس السنة: هذه المناسبة الأخيرة، شاءَ حُسن توقيت رحلتي أن يوافيها بموعدها المناسب. فإذ وصلتُ قبل يومين من إنقضاء العام، فما أسرعَ أن رأيتني منهمكاً وبقية أفراد الأسرة، الصديقة، في مشاغل التحضير للعيد؛ العيدُ الذي كان على الدوام أثيراً لديّ، بما يكتنفه من ذكريات الصبا.

فضلاً عن الأعياد والمناسبات العديدة، تفرّغ الألمان لإستنباط الكرنفالات الصيفية وأيام التسوّق الشتوية، تبديداً للضجر من جهة وإستجلاباً للسائحين، من جهة أوْلى. وبما أنّ كاتب هذه السطور " سائحٌ " ذو مزاج متضجّر غالباً، فالأكيد أنّ لياقتي لصحبة موطن الجرمان، لا يُمارى فيها. أتذكرُ هنا، للمناسبة، يوماً من الأيام التي أعقبت إحتفالنا بالعام الجديد، حينما إقترح عليّ صديقي الذهاب إلى مدينة هامبورغ، في جولة على " فيش ماركِت "؛ أيْ سوق السمك. كان هذا من أيام التسوّق المعروفة، ذات الشعبية الغامرة في عموم البلاد، حيث يتجه الناس إلى عاصمة الشمال الألماني بغيَة حضوره. ومن جهتي، فلم أشأ تفويت الفرصة، خاصة ً أنني تعرّفتُ للتوّ على مدينة هامبورغ، وأضحت مذاك من أحبّ المدن الأوروبية إلى نفسي؛ نفسي التي وجدتها، مجدداً، تنزلق إلى لجة الأوتوبان، المرعب، وهي منكمشة في مركبة مضيفي، العتيقة نوعاً، والمُضاهية في سرعتها، على أيّ حال، لأحدث الصواريخ الألمانية ذوات العجلات !

كما سلف لي القول، فمعرفتي بهامبورغ كانت حميمية، علاوة على إرتباطها بتسوّق من نوع آخر؛ وأعني بذلك مرورنا، شبه اليوميّ، بالسوق العشوائية للمهاجرين المسلمين؛ أين دكاكينهم ومحلاتهم الفائضة بمنتجات تجمَعُ بين مناخات المحيط الهندي والبحرَيْن الأحمر والمتوسط: هاهنا بسطات الفواكه، المبكرة، مركونة في الزوايا؛ شرائحُ اللحم، " الحلال "، معلقة بخطاطيف حديدية، فظة، مستسلمة لسكاكين الجزارين الحادة؛ النقولات المتنوعة، وخاصة ً المجلوبة من بلد آيات الله، لتكونَ جديرة بـ " مازة " سهراتنا الخمرية، المحرّمة. وفي هذا المقام، المشرف على قول التحليل والتحريم، يجدرُ ذكر ما رأته عيني، مدهوشة ً، لجوامع السوق ذاك، المنسوخة برداءة عن مثيلاتها المشرقية؛ نظير آيا صوفيا، الإستانبولي: ثمة في السوق ذاته، الجامع بين الدكاكين العارضة لمنتوجات الدول الإسلامية و" الفترينات " المستعرضة للحم الرخِص، المستور بالكاد بقماش الألبسة الداخلية، الصارخة التلاوين؛ هناك، تجوّل أفرادُ ما صار يُعرف بـ " خلية هامبورغ "، طلباً للمتعة الزائلة في كنف الأفخاذ الإفرنجية، وسعياً لملاقاة المتعة الخالدة في أحضان حور العين؛ ثمة أيضاً، ما فتئتْ صور أولئك المعتوهين ملصوقة بزجاج هذا الدكان أو ذاك المتجر، وقد كتبَ عليها بالعربية: " فتية آمنوا بربّهم "..

سوق السمك، في أحد أطراف هامبورغ، هوَ بازارٌ لا يقلّ عشوائية عن زميله؛ بازار منتجات الجاليات الإسلامية في مركز المدينة. بيْدَ أنّ فوضى الأول، المقصودة، هي ما يجعله حقاً، محبباً وأثيراً. قبل الشروع في الجولة السمكية، إقترحَ عليّ مضيفي التوجه بالسيارة عبْرَ أحياء المدينة، الراقية. بالرغم من رذاذ الثلج المتطاير، والمحيل زجاج حافلتنا إلى مغامضه، الناصعة، فقد تمكنت من إرسال طرفي نحو تلك المنازل الفارهة، من شقق وفيلات، متحسراً لسوء حظ رحلتي، المصاقبة لفصل الشتاء والتي حالت دون إستمتاعي بمنظر حدائق المنازل تلك، وهيَ في حلتها الربيعية أو الصيفية. وأذكرُ، على غموض المشهد الثلجيّ، إنحدارنا في دربٍ خلابٍ، عامر بالعمارات الجميلة البنيان، المحدقة بجانبيْه كما لو أنهم حراس ملكيون، مهيبون، يستعرضون موكبنا الشعبيّ، الأقل هيبة. وإذاً، كان علينا بعد إلتقاط الصور التذكارية، التوجه إلى سوق السمك ذاك؛ أو " الفيش ماركِت "، بلغة بني الأصفر. هي ذي أكشاكٌ ذات هياكل خشبية، مشدودة بأغطية جلدية، تلوح لنا عن بعد، متراصفة بحنو الواحدة لِصْق الاخرى، كما لو أنها تلتمسُ الدفء. للحق، فإنّ يوم التسوّق هذا، كان من أشد الأيام الشتوية القارصة، التي مرّتْ على غربتي. قشعريرتي وإرتعادي، كانتا طوال الوقت عُرضة ً لممازحات عائلة صديقي، التي إنضمّ لصحبتها شقيقتهُ الصغرى، المقيمة في المدينة ذاتها. كان في وارد خطتنا للجولة البازارية، أن نتجه إلى منزل تلك الأخت، الواقع على مقربة من مطار هامبورغ، محملين بما تيسّر من منتجات البحر؛ المنتجات ذات الأصناف العجيبة المستغربة، غير الواردة في البال أو الخيال. لا بد من القول، أنّ الأسعار كذلك، كانت متفاوتة. إلا أنّ المزاد، المستطرف، على المنتوجات المعروضة ـ والذي هو من تقاليد ذلك السوق ـ أتاح لنا سعراً متهاوناً لكيس متخم بالقريدس الفلاني، الفاخر، ولفة من السمك، العلاني، الطازج. الألمان يتحدون البردَ برقصات شعبية في الأماكن المخصصة للهو، ضمن ذلك السوق، وأيضاً بجرعات من البيرة، المبرّدة؛ همُ المكتسي أغلبهم بملابس هيّنة، رقيقة، لا تقي من ذلك الجوّ الساخط. نتداخلُ في زحمتهم، مستمدين بعضاً من حيويتهم، متنقلين بين الأكشاك في فضول متسائل عن الأنواع المعروضة من ثمار بحر الشمال، المشتهاة. على أنه، وفي غمرة التسوّق، داهمني تجلّد مؤلم، غير محتمل، في قدميّ؛ مما قصّر في أمد جولتنا، بقرار العودة إلى سيارتنا الصغيرة، التي كانت بإنتظارنا وهيَ بدورها منزوية، مقرورة، على أحد أطراف الفيش ماركِت.

الجنائنُ الألمانية

رحلتي الثانية، الألمانية، أعقبَتْ تلك الفائتة، السالفة الذكر في حلقتنا الأولى، بأربعة أشهر، لا أكثر. صادفَ ذلك حلول فصل الربيع؛ أو أواخره، تحديداً. إلا أنّ الموعدَ نفسه للرحلة، ما كانَ أقلّ إتفاقاً. إذ كنتُ وقتئذٍ في باريس، لحضور كونفرانس، مُعارض ٍ ـ أو سَمِهِ ما شئتَ ـ تحت مسمّى " الملتقى الوطني السوري ". وبما أنّ صديقي نفسه، الذي سبق وإستضافني في منزله، الألمانيّ، كان مُشاركاً أيضاً في ذلك الملتقى المهيب، فإنه ما توانى عن إلحاحه لي في مرافقته، براً، إلى بلاده. هكذا، تحتمَ عليّ، أنا المصابُ بمسّ من جنيّ الطرقات السريعة، أنْ أنزوي نهاراً بكامله في إحدى زوايا سيارةٍ أنتيكيّة، ما أسرعَ أن تحوّلتْ إلى صاروخ عصريّ، ما أن إستوى صاحبها خلفَ المقود. قائدُ رحلتنا هذا، هوَ أحد أقرباء مضيفي. كان من شيمة خلقه، الكرديّ، أن يُستفزّ من أيّ مخلوق، حتى ولو كانَ عصفوراً، يخاطر بتجاوزه. فتراهُ عندئذٍ كما لو أنه متقمّصٌ للشخصية السينمائية، المثيرة؛ العميل رقم 007 ، فيضيفُ أرقاماً قياسية لسرعة مركبته الفضائية، القصوى !

في الدرب من العاصمة الفرنسية إلى " هامبورغ "؛ وخِلل مَسالكنا عبْرَ جسَدِ الحسناء الألمانية، المديد، والذي طويناه بدءاً من خاصرته الغربية، كان لنا محطتان مبتسرتان؛ الأولى، في ضواحي مدينة " كولونيا "، والاخرى داخل مدينة " بريمن ". هنا وهناك، تأتى لي عن قرب إلقاء نظرة متفحّصة، بالرغم من كونها عابرة، على محاسن المنازل المتناثرة حولنا، والمتبدية كفراديس ربانيّة، صغيرة. كلّ جنينةٍ ألمانيّة، إذاً، هي بمثابة جنة خلدٍ. فيها يَخلِدُ ربّ البيت وأسرته إلى سلام هدوئها وظلال أشجارها وعذوبة عبيرها. وبما أنّ المناخات متنوعة في هذا البلد الأوروبي، الشاسع؛ فنلاحِظ على سبيل المثال، أنّ التأثير الهولنديّ، بيئة ً وذوقاً، غالبٌ على ولاية " كولونيا ". هذا التأثيرُ حاصلٌ، بالخصوص، على أنواع الزهور المفضلة لدى المواطنين؛ كما في تشكيلة الربيع للفصيلة البصلية من التولبان والنرجس والزنبق، المتناهية بألوانها، الهادئة، شاملة ً الأحواضَ والمساكبَ، سواءً بسواء. ما سبق الإشارة إليه، من الإهتمام بالمساحات الخضراء وواحاتها الملونة، تستوقفُ المرءُ في إرتياضه لربوع موطن الجرمان ورياضه، وتحديداً على مشارف الصيف. وإذاً، فلا بدّ أن يستلفت طرفكَ وأنت المُحاذي لهذا البيت أو تلك الفيلا، مقدارَ الإعتناء المنذور للحديقة، حتى تتبدى بهذا التشكيل الأخاذ، المتميّز. الإهتمام الفائق، الذي يبديه كل ألماني بحديقته، يُجيز للمرء يقينَ الإعتقاد بأنها أضحتْ، بالنسبة له، كإبنةٍ حبيبةٍ، أثيرة. إنّ خلق المواطن هنا، المتسِم بالدقة والتنظيم والذوق والرهافة، لا يُعبّر عنه أصدق تعبير، إلا خلقِهِ لتلك التحفة الخضراء، الضاجّة بهارمونية التلاوين، والتي تحفّ بواجهتيْ منزله. وإذ يحرصُ، غالباً، على أن يكون ذلك المنزل رفيقاً أميناً لسنّ تقاعده ومربعاً لسني شيخوخته، فلا غروَ أنْ يعطيه، في فتوته ورجولته، معظم أوقات فراغه، وعلى قلتها. هذا السلوك، الموصوف، لا يفارق الإنسان الألمانيّ، سواءَ أكان مقيماً في المدينة أو في الريف: فكلا هذان الضربان من حياة ذلك الفنان، قادرٌ على لياقته وحيويته، وجديرٌ به، حقاً.

في مدينة " بريمن "، التي لن نمكث فيها سوى هنيهةٍ، على الأقدام، ريثما نوّدعُ رفيقيْ الرحلة الآخرَيْن؛ في إحدى كبريات مدن الشمال الألمانيّ هذه، يعيشُ عددٌ من أخوة مضيفي. وسنعود إلى تلك المدينة ثانية ً، بغيَة زيارتهم، عندما نقتنصُ أول فرصة سانحة. وعلى هذا، آبتْ مركبتنا الصغيرة، مجدداً، إلى رحاب الطريق السريعة، الفارهة، المنعوتة بـ " الأوتوبان "، باللغة الألمانية. بعدَ ساعةٍ ونيّف، وعلى مشارف العتمة، نصلُ أخيراً إلى " شفارتزنبك "؛ البلدة التي يقيم فيها صديقي، والتي سبق للحلقة الأولى، من هذا المقال، أنْ جالتْ في فلواتها. صباحاً، أثناء جولتنا في جادات البلدة وصولاً إلى مركزها التجاري، تخايلَ لوهمي أنني أزورُ المكان للمرة الأولى: فالمكانُ، على ما يبدو، غيرَ ثابتِ الشكل؛ بل ينتقلُ فصلاً فصلاً من صورةٍ لأخرى. فعلى أعتاب الصيف، إكتسَتْ " شفارتزنبك " ثوباً زاهياً، مناسباً، محتبيَة ضيفها كصبيّةٍ هيمانة. وبدوري، كنتُ يومئذٍ مسحوراً بإشراقة فتنتها، أعاينه عن كثب، متنقلاً بين قسماته وتكويناته وملامسه. سيكون لديّ وقتٌ وافرٌ هنا، لكي أتنقل في رحاب هذا الجمال الوادع، الفاتر، الذي يبعثُ في النفس مشاعرَ عذبة؛ نفسي، التي يُثيرها بشكل خاص، مرأى الجنائن المنزلية.

ثمة جادة ٌ، تتصل بمركز البلدة، تطرّق تدرجنا إليها أكثر من مرة. في واحدة من تلك المرات، أشار صديقي نحو أحد البيوت، قائلاً أنّ أهله سكنوا فيه، فيما مضى. كان المنزلُ آنئذٍ خاضعاً لعملية ترميم شاملة؛ عملية لم تنتهِ بعدُ، كما لحظته أثناء زيارتي الأخيرة، المونديالية، للبلدة. ومثل بقية المنازل، الصغيرة، في ذلك البلد، كان هذا مكوناً من طابقيْن؛ أرضيّ، يحتوي على الصالون والمطبخ وغرفة السفرة، وعلويّ لحجرات النوم. وبما أنّ المنزل، كما ذكرتُ، في طور النقاهة، والفوضى تعمّ حديقته وواجهته؛ فما كان لي، والحالة تلك، سوى أن أجول ببصري إلى ما حوله من بيوت: لألحظ هكذا، أنّ كلاً منها قد إعتمد الهندسة نفسها، فيما يخصّ المدخل والحديقة. هذه الأخيرة، لن أتوقف عندها هنا، لأنها تقع في خلفية البناء، وما تأتى لي معاينتها. وعلى كل حال، لا يمكن أن يغفِلَ المرءُ ملاحظة اللمسات المعمارية، المميّزة، التي أضافها كلّ من قاطني تلك البيوت. إنّ سور المنزل، حال التقليد الأوروبي بعامة، عبارة عن سياج واطيء، حجريّ أو خشبيّ أو سلكيّ، تتوسطه بوابة ٌ صغيرة مكتنفة ٌ، غالباً، بعارشة لبلاب أو ورد جوري أو ما شابه ذلك. ولو تسنى لكَ، ضيفاً، إجتياز تلك البوابة، فلا بدّ أن تقادَ عبْرَ ممشىً متراصفة أحجاره، الواحدة بإثر الاخرى، يتخللها حشائشٌ مقصوصة بعناية، حال إمتداداتها الخضراء في المساكب المحيطة بالمدخل. على جانبيْ الممشى، لامحيد لكَ، أيضاً، عن تحيّة صفيْن من الورود المختلفة التلاوين، الذيْن يتخللهما، عادة ً، نباتات واطئة، ذوات زهيراتٍ دقيقة، ليلكية اللون أو بنفسجية. ستتأملُ هنا ملياً شجيراتَ الدفلى، ذوات الأوراق الداكنة الخضرة، المصقولة كحال أزهارها، والتي تحبّذ الركون في مكان شبه ظليل؛ كما في زاويتيْ مدخل الدار، مثلاً. بيْدَ أنّ المرءَ، في حالتي على الأقل، لا يمكن إلا أن يتسمّرَ، ذاهلاً عن كل شيء، أمامَ أغراس الهورتنسيا ( التي نحرّف تسميتها في الشام إلى: قرطاسية ! ). هذه التحفة الفنية، المتفردة بألوان الأحمر ( البريك ) والليلكي والزهري، هي إبنة متبناة من لدن شجيرة الدفلى، التي تحتبيها بحنو تحت أغصانها الرخوة. وأجزمُ بأنّ موطن الجرمان، ذا المناخ المعتدل، هوَ الأبُ الشرعيّ لغرسة الهورتنسيا ( رغم أصلها، القديم، الكاريبيّ )؛ إذ لمَ أرها على ذلك الإزدهار والتألق، إلا هنا: وبلغ من هيامي بهذه الغرسة، الفائقة الفتنة، أنني عمدتُ في العام الماضي ( أيْ بعدَ مضيّ أقل من سنتين على رحلتي هذه، الألمانيّة )، إلى زرع شتلتيْن منها في حديقة منزلي؛ واحدة زهرية اللون، واخرى ليلكية، وفي ظلال ما يناسبهما من شجيرتيْ الدفلى.

على أنّ الوقتَ ما طال كثيراً، لكي أراني قدّام حديقة صغيرة، سبق لزوج صديقي أن نصحتني بالمرور أمامها. كانت هذه، تخصّ مهندس زراعيّ متقاعد، وتقع على طرف بحيرةٍ غاية في الرثاثة، متشكلة على ما يبدو من مصبّ جدولّ متفرع، بدوره، عن نهر كبير يمرّ في تلك الأنحاء. سبق لمضيفي، أن أخذني إلى بقعة هادئة مطلة على البحيرة، كان قد " إكتشف " بقربها شجرة جوز، معمّرة نوعاً: في زيارتي الأخيرة لشجرتنا المشرقية هذه، عدتُ منها بحبتيْن من ثمارها، مؤملاً زراعتها في حديقتي السويدية؛ وهي الشجرة المعروفة بتحملها للمناخ شديد البرودة. قلنا أنّ حديقة مهندسنا، الملحقة ببيته، هي ما كان يتوجّب علينا رؤيته. الحق، فقد ذهلت مما أخذتني عيناي عبره؛ من تقسيمات بديعة لأحواض مستطيلة ودائرية، مقتصدة في أغراسها، إلا أنها في الآن ذاته، معلنة هارمونيا رائعة من ألوان وظلال وأضواء. ثمة بحرة إصطناعيّة، مثمنة الشكل، مرخمة بقطع من الموزاييك، يسيل على جوانبها المياه المتناثرة من النافورة، والمحفوفة بأصص فخارية لخبازى بتلاوين مختلفة. إكسسوارات هذه الحديقة، الفريدة، متوائمة والمكان المنذورة له؛ كهذه العربة الخشبية لنقل التراب، التي إستبدلت مهمتها بحمل أغراس من الزهور الصيفية، المتنوعة؛ أو كتلك الجرة الهائلة، القائمة على أربعة أحجار قرميدية، والمنبثق عنها أيدي هرجاية ولبلاب، متعانقة. الأشجار أيضاً قليلة العدد، موزعة بطريقة تجلب معها الظل إلى الناحية الجنوبية، الأكثر تعرضاً لأشعة الشمس، الحادة؛ هناك، حيث إنعقدتْ صحبة التفاح والأجاص والخوخ والكرز؛ أشجار الشمال الأوروبي، الأثيرة. فيما ركنتْ متفردة، شجيرة صنوبر مستسلمة لنقمة النسيان، ولنعمة ذكرياتها الدافئة عن أيام الميلاد ورأس السنة. ثمة في إحدى الزوايا، المقابلة للمدخل، لوحة كتب عليها بالألمانية، ما يفيد بوجود عسل فاخر من إنتاج منحلة هذا المنزل الجميل، المفتخر على أقرانه بجنينته الساحرة.

قلنا في ما سلفَ، من حلقة المقال الأولى، أنّ شفارتزنبك منتمية ٌ، موقعاً ومناخاً، لريف شمال أوروبا. حقيقة ٌ، تفسّر إعتيادي لبيئتها؛ أنا القادم من بلد الفايكنغ، في أقاصي ذلك الشمال البارد. فضلاً عن حقيقة اخرى، جعلتْ هذه البلدة الصغيرة، أثيرة لديّ؛ وهي قربها من هامبورغ، كبرى حواضر الشمال الألماني. بين هاتيْن الحاضرتيْن، ثمة بلدة صغيرة، تتوسّط المسافة فيما بينهما؛ إنها " بَرْغدوف "، التابعة لضواحي هامبورغ، والتي تمرّ منها الطريق غير السريعة المؤدية لهذه الأخيرة. هيَ بلدة ذاتَ حسْن ٍ خاص، يغلب على أبنية مركزها طابعٌ فريدٌ من العمارة الأوروبية، الكلاسيكية؛ المتجليَة للمرء بخاصة ً لدى إجتيازه سوقها التجاريّ. خلال هذه الزيارة الألمانية، والاخرى التي أعقبتها، يتأتى لي مداومة الركون إلى مقهىً صغير، تركنَ بدوره على جانب قناةٍ ثرّة المياه، مُشكِلة بحيرةٍ صغيرة تحيطها خضرة الخمائل والأشجار، لا تبعد سوى خطوات قليلة عن مجلسنا. مضيفي من جانبه، يستأنسُ كثيراً بهذه البلدة، حريصاً أن يمرّ منها، غالباً، في طريقنا إلى / ومن هامبورغ؛ حاضرة الشمال الألماني: إنها الحسناء الأنيقة، التي تسنى لي الإقتراب منها شتاءً، أثناء رحلتي الأولى. أضحى بمقدوري، الآن، في هذه الزيارة الجديدة، معاينة جسدها البضّ وقد شمَسَ عليه نهارٌ صيفيّ، مشرق، أرختْ شمْسُهُ خيوطاً ذهبية على البحيرة الفارهة؛ حاضنة الحاضرة أو أمّها، ربما. تتصل بالبحيرة، على طرف المركز، تحديداً، قناة متطاولة إلى وسطه؛ فينيسية الطراز، إلا أنها عريضة نوعاً، تحفّ بها المحلات الفخمة للعطور والملابس والزينة، فضلاً عن المقاهي والمطاعم؛ إشتهرَ منها مطعم " صليبا "، المختصّ بالوجبات والحلويات، الشامية. كل ما في هامبورغ، من عمارة وجسور وقناطر وحدائق، يوحي بالعظمة. من تلك العمائر، محطة السكك الحديدية ( المسماة بلغة الجرمان: بانهوف )، والتي تبدو من الخارج بناءً حجرياً، قديماً، داكن اللون، شبيهاً من حيث الواجهة بالأديرة القروسطية، الغامضة. مبنى البلدية، بدوره، يُعتبرُ من آثار العمارة الألمانية، البديعة؛ إلا أنه أكثر جمالية لعين الناظر، وخاصة ما في زخرفة واجهته من تنوّع لونيّ، جعله أشبه بجدارية عملاقة من الفسيفساء. ولكي يتناهى الحسنُ بذلك المبنى، فما كان إعتباطاً أمرُ إطلالته على الساحة الأكثر إزدحاماً في المدينة، بالحضور الشعبيّ والسياحيّ: هناك، وأينما إتجه لحظكَ، تعاينُ وجوهاً لخلق من مختلف المشارب؛ فهذا منفردٌ بنفسه وأفكاره المهوّمة؛ وذاكَ فضّلَ الإشتراك في حلقةٍ إيمانيّةٍ، وادعة، متمايلةٍ على أنغام كنسيّة، مُسجّلة؛ وآخرون قد تحلقوا وأطفالهم حول مهرّج، مكتس بقيافة غريبة، طريفة، مصطبغة بدهان أبيض، فبدا شبيهاً بالتماثيل الجصيّة، الملونة، المثبتة في الساحة والمعبّرة عن مختلف المهن والحِرَف. بيْدَ أنّ تمثالاً آخر، أقدم عهداً، شاءَ التعبير عن " مهنة " أصحاب الكلمة؛ وأعني به نصب الكاتب الألماني " ليسنغ "، البرونزيّ، المعتلي بمهابة وجلال قاعدة حجرية تتوسّط ساحة ً اخرى، صغيرة، قائمة ً خلف مبنى البلدية ذاكَ، مباشرة. ثمة كاتدرائية، جليلة المظهر، تتشامخ منائرها وأبراجها من وسط المركز. تبدو معجزة الترميم، التي خضعت له هذه الكاتدرائية، مما ثبّت بقربها من لوحة فوتوغرافية، عملاقة، تعكس صورتها وهيَ في نهاية الحرب العالمية الثانية، بدمارها وأنقاضها. على أنّ هذا الدمار، لابد أن يكون قد عمم قِسْمته على مدن اخرى، شأن " كولونيا "؛ حاضرة الغرب الألمانيّ، الكبرى، التي لم يقدّر لي كما سلف القول، التجوالَ فيها، بل المرور العابر لمركبتنا الصغيرة بقربها، خلال عودتنا من باريس. على أنه سيكون من حسن حظي، فيما بعد، أن أتواجد هنا مرة اخرى خلال زيارتي الأخيرة، المونديالية، والتنعم بالفيء العملاق لكاتدرائية تلك الحاضرة الكبرى.

مزرعة ٌ للذاكرة، أنتيكا للذكرى

ما من ريبٍ، أنه كان إتفاقاً محضاً أنْ تتطابقَ رحلاتي الألمانية، الأربع، مع الفصول الأربعة للسنة، وأن تتوالى عاماً بإثر أخيه وإعتباراً من عام 2003. فإذ مرّتْ بالشتاء رحلتي الأولى، وتلتها الثانية في الربيع، فما كان لرحلتيّ الثالثة والرابعة إلاّ أن يتنشقا، على التوالي، مشامَ الصيف ونسائمَ الخريف. هاتان الأخيرتان، وهما موضوع هذه الحلقة، الأخيرة، من سِفر سَفراتي لموطن الجرمان، لم تكونا بالترتيب الأزليّ، الطبيعيّ، للدورة الشمسيّة؛ وعلى هذا، فمن الطبيعي أنْ أستهلّ القولَ برحلتي الثالثة، المستهلة بدورها حلول الخريف. كان صيفُ العام الماضي، وأنا أتكلم هنا عن أوروبا الشمالية، مخيباً للآمال بسحبه المقيمة وأمطاره المزعجة، فضلاً عن هوامه الفضولية. الأنكى أن ينتظرَ المرءُ، في مثل حالتي، جلاءَ الشتاء السويديّ الطويل، الممضّ، ليواجه من ثمّ صيفاً إسمياً، هوَ إمتدادٌ فعليّ لفصل الصقيع، ذاكَ. فصحّ عندي، والحالة تلك، الهروب جنوباً، صوبَ ألمانية، بوهم أنّ مناخها سيكون أفضل حالاً. هذا، على الرغم من حقيقة إستمتاعي، على أبواب الصيف نفسه، بعطلة إسبوعية، رائعة، في ربوع العاصمة الفرنسية؛ في باريس النور والشمس والجمال والفنّ.

حطتْ بنا الطائرة، إذاً، في مطار مدينة " لوبيك "، مخترقة ً السحبَ المتجهمة والريح المزمجرة. وكعادتهما الكريمة، كان صديقي وزوجه حاضريْن هناك، علاوة على إبنتهما الصغيرة، وللنطلق من ثمّ بالسيارة إلى بلدة " شفارتزنبك "؛ أينَ يقيمون. هذه الإبنة، المناهزة آنئذٍ سنّ السابعة من عمرها الغضّ، سيكون على والديْها، وبعدَ أيام قليلة من وصولي، إصطحابها إلى الفصل الأول من المدرسة الإبتدائية. من جانبي، فلم أفوّت تلك الفرصة، التي ستسنحُ لي بمعاينةٍ عن قربٍ لتقاليد المجتمع الألمانيّ، في هذا الشأن. منذ الصباح الباكر، إئتلف َ جمعُ التلاميذ وأهليهم أمام المدرسة المطلوبة؛ الصباح المبشّر بيوم مشمس، قائظ، كما يتبيّنه المرءُ من تأمل المساكب المعشوشبة، التي جفّ عليها قطرُ المطر، المتهاطل على طول وعرض الأيام المنصرمة. لاحظتُ أن التلامذة، أولاداً وبناتٍ، يضمّ كل منهم بين يديه، بحنوّ وحرص، لفة من الورق المقوى، الملون، المشكلة على صورة قمع المرطبات ( بوري )، والمترّسة بلاصِق: هاهنا، هدية الأهل للطفل، بتلك المناسبة السعيدة، والتي سيتمّ فتحها بعيْدَ إحتفال مقرر. وهذا ما كان موعده على مسرح المدرسة؛ كلمات ٌ مقتضبة لمعلمات وأمهات؛ جوقة أطفال، من مختلف مراتب العمر، في إنشاد جماعيّ ( كوْراليّ )؛ مسرحية ( أو مشهدٌ إيمائيّ، على الأصح )، لآخرين من زملائهم؛ بهجة ٌ وحبورٌ وسعادة، لا يلمّ بمداها، ربما، سوى من عاش لحظات طفلةٍ، مماثلةٍ، في طفولته: هاهنا، أيضاً، أستعيدُ يوماً قديماً، " أشبَهَ " بهذا اليوم المُعيّد، حينما جرّني والدي إلى المدرسة الإبتدائية، لأباشر سنتي الأولى فيها. لم يخفف من رعبي، وعبراتي، كونَ بعض الأساتذة على صداقة بالأب؛ وخاصة ً حينما إفترقتُ عنه، عنوة ً، ليقتادني أحدهم إلى الفصل المطلوب. في تلك الحجرة، ذات الرائحة الغريبة، التي لم أكن معتاداً بعدُ عليها، جالت ْ عيناي، مدهوشة، على هيئات أطفال من لداتي؛ متهالكٌ بعضهم على المكاتب الخشبيّة، الرثة، وعلائم البكاء والتعاسة متجلية في عيونهم؛ متقافزٌ غيرهم، كالقردة، غير مبالين بزعيق المعلم، المفترض، ولا بتلويحة عصاه الخيزرانية، الإرهابية !

مكانٌ آخر، كنتُ أيضاً على موعدٍ معه؛ إلا أنه أكثر بعداً: " بريمن "؛ المدينة الواقعة على مبعدة ساعة ونيّف من بلدة مضيفي، تلك. كما سلفَ لي القول، في الحلقة الثانية من هذه الرحلة، فمعرفتي بهذه الحاضرة الكبيرة، الواقعة إلى الجنوب من شفارتزنبك، كانت عابرة ً؛ عبورَ سيارتنا خلالها في طريقنا من باريس. وجدتُ نفسي ومضيفي، إذاً، في المدينة التي يعيش فيها إخوته؛ وتحديداً في ضيافة شقيقته، المقيمة آنئذٍ في شقةٍ صغيرة، غير بعيدة عن المركز. وفضلاً عن الميزة الأخيرة تلك، كانت الشقة أنيقة؛ حال مسكن صديقي في شفارتزنبك، الموزع على طبقتيْن. في بريمن هذه، كما في المدن الألمانية الاخرى، بمستطاع المرء التمتع بحياةٍ ريفيةٍ، هادئة، دون أن يضطر لتجشم عناء مغادرة المدينة: تقليدٌ خاص بموطن الجرمان، المتحضر، يتيحُ إستئجار مزرعةٍ تضمّ كوخاً متواضعاً، في غرفتيْن وملاحقهما، علاوة ً على حديقةٍ فارهة. وقد إمتلكت عائلة مضيفينا مزرعتها الخاصة، لقاء إيجار بخس، لا يتعدى المئة يورو في العام.

زرنا هذا المسكن الريفي، في ذات اليوم المتعيّن فيه علينا التوجه بالسيارة نحو طريق العودة لشفارتزنبك؛ يوم متجهم نوعاً، شاهد بين فينة واخرى، على إطلالة خجولة للشمس المحتجبة خلف السحب، والمبللة بغيثها. أدهشني هناك، قبل كل شيء، وقوع المزرعة على مقربة دانية من منزل أولئك الأصدقاء؛ خاصة ً أنّ مسيرنا إليها كان ركوباً بالسيارة، كما ذكرتُ آنفاً. المزرعة واحدة من مثيلاتها، الموزعة على مجمع مأهول ( كولونيات )، متشابهة من حيث التصميم والغرض؛ وإن كان كل منها له ذوق أصحابه، الخاص. أقفُ أمام سور خشبيّ واطيء، تتسلقه خميلة من التعريشات وتغيّبه تماماً، أحياناً؛ وأعبرُ بعدئذٍ بوابة من الخشب المسلّك، تنفتح على ممشىً حجريّ، ضيّق، يفضي مباشرة للكوخ. على كلّ من جانبيّ الممشى، ثمة حوض على الضيق نفسه، يفصله عن المسكبة الخضراء، المعشوشبة، حافة ٌ دقيقة، إسمنتية.أغراس ذلك الحوض، إقتصرتْ على أنواع من الورد الجوري، فيما تطالعُ المرء شجيرتا دفلى، مركونتان بإزاء جدار الكوخ، المقابل للمشى. أما على جداره الآخر، الأيسر، حيث الباب والنافذة، فقد تناهى إمتدادُ عارشة الكرمة، الكثيفة، المغطية أيضاً سور المزرعة الخشبيّ من الجهة الخلفية. تلك الجهة، تطل على مزرعةٍ جارة، كان أصحابها أكثر عناية بحديقتهم؛ بورودها وأزهارها وأشجارها، إضافة لتزيينها ببركةٍ جميلة، بحجم مستنقع صغير، تتوسطه نافورة.

تقليدٌ آخر، رغم أنه شائعٌ في معظم المدن شرقاً وغرباً، لحظته في زيارتي لبريمن؛ وهوَ التسوّق في بازار الأشياء المستعملة. وقد رغبت العائلة الصديقة، في اليوم التالي لوصولنا، أن نتوجه إلى ذلك السوق، منوهين إليّ بشكل خاص من أنني لابدّ وواجد فيه متعة خاصة. ثمة، إلتمّت الصحبة، إذاً، بعيد توصيلة سريعة لركبنا في السيارة المتأثرة مسارَ سيارة مضيفينا. بدا السوقُ عن بعد، كأيّ بازار عشوائيّ؛ بأكشاكه وعرباته ودكاته ومعروضاته. كان كل ما يخطرُ للمرء، من أشياء وأغراض ولوازم، منتصباً هناك أو متدلياً. وفي هكذا حالة، كنتُ مستهاماً بالأنتيكا من تحفٍ وصور ولوحات، أكثر من أيّ شيء آخر. لقد حلمتُ دوماً بمكتبٍ متواضع، يضمّ كتبي وأوراقي؛ وحينما تحقق لي ذلك، أخيراً، ما عاد لي من شاغل، فضلاً عن الكتابة والقراءة، سوى بإنتقاء " الإكسسوارات " له ! من ذلك البازار، وإثر تفاصيل السِعر، الإعتيادية، مع البائع، عدتُ من رحلتي الثالثة لألمانية بتحفتيْ أنتيكا: طبنجة تركية، بديعة الزخرفة، وجدتْ مكانها على الحائط بإزاء طاولة مكتبي، جنباً إلى جنب مع أسلحة اخرى، قديمة؛ ومطحنة بن، من خشبٍ مصقول، فاخر، عليه علامة برازيلية، تفيدُ، والله أعلم، بمصدر الصنع.

برجٌ للتاريخ، كرة ٌ للعالم

ألمانية، مناظرٌ للقلوب. ستتهادى رحلتي الرابعة إليها في هذا الصيف الفريد؛ في حزيران، تحديداً، المُسجّل أعلى درجات للحرارة منذ عقودٍ ثلاثة. حينما غادرتُ مطار ستوكهولم الدولي، كان الجوّ خانقاً، وأيدي الركاب لا تني في حركةٍ واحدة، ملوّحةٍ، محاولة ً إستجلاب الهواء الشحيح. الصيف في موطن الجرمان هذا، شاءَ التناهي في فرادته؛ بحلول كأس العالم للكرة ـ مونديال 2006 ـ في ربوعه الساحرة. كانَ الدور الثمانيّ من ذلك المونديال، قد إستهلّ للتوّ، متزامناً مع وصولي عبْرَ مطار هامبورغ الدولي. كلّ ما وقعتْ عليه عينايَ هنا، كانَ متواشجاً مع تلك المناسبة الكروية، السعيدة؛ من إعلانات وملصقات وأعلام ونصُب.. وغيرها. كأنما كنتُ على موعدٍ مع برنامج المونديال، الموزع على مدن مختلفة؛ أنا غير المعنيّ، أصلاً، بهذا البرنامج، وبالرغم من تشجيعي، المفترض، لفريق السويد؛ البلد الذي أحمل جواز سفره الرسميّ. إلا أنّ فريقنا، العتيد، سيخرجُ من دور الثماني مهزوماً، وعلى يدِ الفريق الألماني، بالذات، الذي منحته حقاً، ودوماً، تشجيعي الحقيقي، المتواضع !

بقيتُ يوميْن في " شفارتزنبك "، ومن ثمّ وجهتُ شطري نحو بلدة اخرى، صغيرة؛ هيَ " هالتِرْن "، أينَ يُقيم صديقنا سيروان حجي بركو، الصحفي الكردي وصاحب موقع " عامودا. كوم "، الإنترنيتي. كان صديقي هذا، وقبل ليلة على الأقل من إنطلاقي في الطريق إليه، قد دبّر لي سيارة لتقلني إلى بلدته، الواقعة على مبعدة ثلثمائة ميل على الأقل، من شفارتزنبك: إنهٌ تقليدٌ آخر، من محاسن التقاليد الألمانيّة، حيث يعلنُ مُسافر ما عن وجهته، عن طريق الإنترنيت، محدداً الأجرة المطلوبة مقابل نقل ما تيسّر من ركاب في سيارته؛ أجرة زهيدة الثمن لكَ، كمسافر، مقارنة ً بالثمن الباهظ لبطاقة قطار، وفي الآن ذاته تتيحُ لصاحب العربة هذه أن يستعيد ثمن الوقود المهدور في الرحلة. جهتنا، هذه المرة، كانت صوبَ الغرب الألمانيّ، المحاذي للحدود الهولندية ـ الفرنسية؛ وتحديداً في شبه المثلث الذي تقع على رؤوسه كلّ من مدن " مونستر " و " دورتموند " و " كولونيا ". في وسط ذلك المثلث، تقريباً، تقع بلدة هالترن تلك؛ وهناك، على الطريق الفرعيّ المؤدي إليها، كان صديقي الصحفي، في إنتظاري بسيارة عائلته، الكبيرة، التي نعرفها عادة ً بإسم " الصالون ".

وإذاً، شرعتِ العربة ُ تتهادى بنا بعيداً عن الطريق السريعة، " الأوتوبان "، ميممة ً وجهتها نحوَ بحيرة البلدة أولاً؛ البحيرة الجميلة، المحاطة بحزام من مواضع السباحة والإستجمام، فضلاً عن الفنادق والبيوت الصيفية والمقاهي والمطاعم. مكثنا هناك هنيهة َ تأمل ٍ حسبُ، قبل أن نتابعَ المسافة القصيرة إلى منزل العائلة الصديقة، الواقع في قلب المركز. كانت الأعلامُ الوطنية، ذات النسر الجرمانيّ المتوسِط ألوانَ الأسود والحمر والأصفر، متدلية ً من نوافذ معظم العربات الصغيرة، الخائضة في الشوارع الضيقة، الأنيقة، لهالترن؛ كما هوَ حالُ أخواتها من المدن الاخرى، الألمانية: " إنها المرة الأولى، ربما، التي لا يشعرُ فيها المواطنون بالحرج، وهمُ على هذه الحماسة، القومية "، قال لي صديقي، فيما هوَ يشيرُ عبْرَ نافذة السيارة إلى الألمان المبتهجين، الملوّحين بأعلامهم الوطنية. الملاحظة الفائتة، فهمتُ بالطبع مغزاها؛ والمحيلة إلى مشاعر أولئك المواطنين، المتسمة بالحذر الشديد من كلّ ما له علاقة بالمفاخر القومية؛ همُ المحمّلون بأوزار ما أضحى معروفاً بـ " عقدة الذنب "، تجاه التاريخ النازيّ، المخزي، لبلادهم، وخصوصاً خلال الحرب العالمية الثانية.

ها نحنذا أمام المنزل المقصود، نترجل من العربة المودَعة في باحته الخلفية، والمشكلة نوعاً من " كاراج ". المنزلُ هذا، يقع في الطابق الأرضيّ لبناء من طبقتيْن، يشغل عاليه عائلة ٌ ألمانية. ولجنا البيت خللَ باب الحديقة، العريض، الخشبيّ، المحروس بقنديل مزخرفٍ ذي إنارة كهربائية. ليسَ في الحديقة هذه ما يلفتُ النظر، اللهمّ إلا تقسيماتها التقليدية؛ من ممشىً حجريّ وأحواض ٍ مرابطة حواليْه، والعائدة في شغلها للمستأجر السابق للمنزل. بيْدَ أنّ فنجانَ قهوةٍ، صباحيّ، في رطوبة المكان وعدالة نسيمه، لا يمكن أن يُفوّته المرء. وهذا ما حصلَ في يقظة يومي التالي، متبوعاً من ثم ّ بغداءٍ فاخر من شواء على جمار الفحم، لصدور الدجاج والديك الرومي، من إعداد اليد الماهرة لأبي كاوا؛ والد صديقي، وواحد من الناس الذين يدعون لديكَ إنطباعاً طيباً، مذ وهلة اللقاء الأولى: إنه من بلدة " عامودا "، رأت عيناهُ النورَ في إحدى قراها، المزدهرة زمنئذٍ، والمقتطعة لسلالتهم؛ السلالة التي خرجَ منها، أبداً، الكاتبُ المعروف، سليم بركات. قلنا أنّ الرجلَ هوَ إبن عمّ كاتبنا. وبهذه الصفة، علاوة على أسئلتي الفضولية، فقد راحَ يسرد عليّ نتفاً من ترجيعات ذاكرته، عن أيام زمان؛ ما كانَ من أحوال الأجداد الأوائل، المشتركين، وأسباطهم.. وغير ذلك من أمور.

هالتِرْن، كما سلف القولُ، بلدة صغيرة، من أعمال الغرب الألمانيّ. يبدو أنّ التاريخَ لم يمرّ من هنا، عابراً، دونَ أن يخلفَ ما يفتخرُ به السكانُ قدّام زوارهم. لقد إنحدر أحد كاردينالات " الفاتيكان " من هذه البلدة، فضلاً عن قديسةٍ طوّبها ذاتُ الصرح الكاثوليكيّ؛ كلاهما، تمّ تخليده، دنيوياً، بتمثال يتناسبُ ومقامه وطبيعته. في مكان آخر، ثمة برجٌ عال نسبياً، مبنيّ أصلاً من حجارةٍ رمادية، كانت بدورها مادة لصنع سور البلدة، المندثر، والمتبقي منه قطعة مستدقة، يكاد المرءُ لا يميّز ماهيتها. وقفنا أمام ذلك الأثر نعاينه، حينما إستلفتني منظرُ بركةٍ مستطيلة، حسنة التكوين، تصبّ فيها شلالات صغيرة عبْرَ أقنية، مصطنعة، واقعة مباشرة بإزاء البرج. أسررتُ لصديقي قناعتي، بأنّ البركة تلك ما هيَ سوى بعض الخندق، المائيّ، الذي كان في أزمان قديمة يحول بين العدوّ والأسوار. على أنه صادفَ لحظتئذٍ، ولحسن الحظ، مرورُ مواطن عجوز وزوجه بالمكان. وإذ بادره صديقي بما كان يجول في خاطري، حول البركة إياها؛ فإنّ العجوز هذا تكرّم علينا بشرح مختصر، تاريخيّ، عن عمران الأسوار وأبراجها وما كان يحيط بها من وسائل دفاعية. أشارَ الرجلُ أخيراً إلى قناةٍ دقيقةٍ، إسمنتية، قائلاً لنا: " إنّ هذه القناة السلسبيل، هيَ المفترضُ تمثيلها ما كان من حال الخندق المحيط بالأسوار، أما البركة تلك فإنها مبنية حديثاً، بهدف إعطاء رونق عذبٍ للمكان ".

وبما أنّ الشيء بالشيء يذكر، كما يقال، فصفة " التمثيل " إنسحبت، أيضاً، على المكان الذي خصصته البلدية لمواطنيها من أجل المتابعة المباشرة للمونديال: ففي ساحة البلدة القديمة، أينَ ملتقى الأسواق والأزقة، تمّ نصب شاشة كبيرة، لعرض المباريات. لقد جعلت الساحة على شكل شاطيء جزيرة؛ بأتربتها ونخيلها وأكشاكها ومظلاتها وأسيجتها، الإصطناعية جميعاً. كان ثمة حراس على كل بوابة مؤدية للساحة، من مهماتهم منع كائناً من كان من الدخول وبيده مشروبات روحية، حتى ولو كان ذلك مجرد علبة بيرة. وبالمقابل، فإنّ الأكشاك في داخل الساحة، تؤمن للراغب ما يشاء من ذلك المشروب وكذلك من أصناف الساندويشات الخفيفة. تحدق بهذه الساحة مقاهٍ راقية، إيطالية الأسماء والأصحاب، تقدم لزبائنها الحلوى والمرطبات والشراب. إنّ إبنة العائلة المضيفة تعمل في إحدى هذه المقاهي، جنباً إلى جنب مع إكمالها دراستها الجامعية. وكان أن إقترح عليّ صديقي التوجه إلى ذلك المقهى، لحضور مباراة ألمانية مع الأرجنتين. ثمة، إئتلف جمعٌ لجبٌ من المواطنين، من جميع الأعمار؛ كيف لا، وهيَ المباراة الحاسمة، التي ستؤهّل فريقهم القومي للمضيّ قدماً نحو التصفيات النهائية: ولأقل إذاً، إنها أكثر المرات، الكروية، في حياتي، التي أجدني فيها متحمساً؛ حدّ أنني لم أنتبه لنفسي حينما كانت تندّ عني صرخة فرح، ثاقبة، متناهية للآفاق فوقنا، أو ضربة خيبةٍ، مرعدة، من قبضتي على سطح الطاولة، المتمددة أمامنا.

على أنّ أطرفَ ما جرى معي، من وقائع ذلك المهرجان الكرويّ، ما كان من رحلتنا إلى مدينة " كيرزنكيرشة "، التي شهدتْ المعمعة الفاصلة بين إنكلترة والبرتغال. تحتم علينا ركوب القطار، سعياً نحو تلك المدينة التي لا تبعد عن هالترن أكثر من أربعين دقيقة. وبما أنّ علينا، أيضاً، تغيير المقطورة في منتصف الطريق، فقد جلسنا في ظل الأشجار المتهافتة على المكان، تصيّداً لنسمة عليلة في هذا الجو الشديد الحرارة. سرعان ما أقبلت القاطرة الموعودة، ألا تقول أننا سنصادف " الفركون " المكتظ بالمشجعين الإنكليز، الثملين حتى آخرهم: ولجنا هكذا برؤوسنا، السوداء، مقصورة آل أنكلو سكسون، البيض بمعظمهم، ليقابلنا البعضُ منهم بالزعيق والإشارات البذيئة. ما كان مني، على سبيل المزاح، إلا أن هتفتُ: " فيفا برتغال ! "، فيما أشقّ ومضيفي طريقنا، بصعوبة، عبر الجمع السكير. مرّ مزاحي بسلام، وقد أعدته بإصرار في المقصورة التالية. كان بنو جرمان فيها هم الغالبون، فمكثنا هناك إلى أن تناهى صوت المسجل بإسم المدينة، المطلوبة. إثر مسير حثيث لنحو عشر دقائق، تبدى لنا ميدان الحاضرة، الفسيح، متقلب الصورة بفضل بناء هائل، تكسوه المرايا الناصعة؛ لمقرّ بنكٍ أو أشبه. هنا، كان يخيّل إليكَ أنك في ميدان " الطرف الأغر "، اللندني: فكل ما حولنا كان بريطانياً؛ من الجمهور وأعلامهم، إلى رجال الشرطة وسياراتهم؛ وجميعهم كانوا يتناقشون، يتهاتفون، يصرخون، يغنون،.. باللغة الإنكليزية. ولكي تكتمل طرافة اليوم هذا، جعلنا مجموعة ً من هؤلاء القوم دليلاً لنا، في طريقنا إلى الساحة المخصصة للمشجعين. لبسٌ آخر، وقعنا فيه عن طريق الإتفاق، ولا شك، ما دام الدليل المفترض قادَ خطانا نحو ساحة مسوّرة؛ شبيهة بتلك الموجودة في هالترن، والمنذورة لمتابعي المونديال. إلا أنّ هذه كانت ساحة ً غاية في الإتساع، ومداخلها عديدة، مخفورة، وياللعجب !، بالبوليس البريطاني. إثر تمحيصهم لحقائبنا، تركونا نلج الساحة المكتظة بالمشجعين، الذين كانوا جميعاً محملين وموشحين بالأعلام والقمصان الإنكليزية: سندركُ بعيْد وهلة الذهول، الأولى، أنه ألتبسَ علينا بالمكان المطلوب، وأنّ هذه الساحة مخصصة لأولئك الأنكلو سكسون، الملتخين سكراً ! وجدنا من الحكمة ألا نبقى في هذا المكان الخطِر، خاصة ً أنه من المحتمل خسارة الفريق الإنكليزي للمباراة أمام البرتغال القوية، وما هوَ معروف عن مشجعيه من شراسةٍ وعدوانية.

تسللنا هكذا من بين صفوف أولئك الناس، وما لبثنا أن إهتدينا إلى دليل، حقّ، أشار إلينا صوبَ الجهة الآمنة: كان ثمة ساحة اخرى، موازية للأولى، تجمّع فيها طائفة كبيرة من المشجعين، ومعظمهم ألمان؛ ساحة كبرى، أكثر إتساعاً وتنظيماً، بشاشتها التلفزيونية العملاقة وأكشاكها المتعددة الإحتياجات والأهمّ، جمهورها الهاديء، الرصين في حماسته. كما سلفَ القولُ، ألهمتنا إلهة ما، للحكمة ربما، بفكرة الهرب من ذلك المكان، الآخر، الموبوء ببعض الرعاع الإنكليز؛ هؤلاء الذين سنتابعهم عبْر التلفاز، بعيد ساعة ونيّف من وصولنا إلى هالترن، وهم يعيثون فساداً في المدينة المُضيفة ويعتدون على المارة في شوارعها وميادينها: فالأحرى أن تتصورنا بينهم وقتئذٍ، بشعرنا الأسود، وفي تلك الساحة الشاهدة هزيمة فريقهم القومي ! على أنّ فرحتنا، الصادقة، بفوز البرتغال، أعقبتها خيبة مريرة بخروج ألمانية من تصفيات المركز الأول، إثرَ خسارتها الفاجعة؛ الفادحة في سوء الحظ، قدام الطليان. ما كان لهذا الحدث، الكروي، إلا أن يرخي بظلاله الحزينة على رحلتي هذه لموطن الجرمان، الجميل. هذا، دون أن أغفلَ تلك الفرحة العامة، العفوية، التي إجتاحتنا جميعاً، حينما تمكن الفريق الألماني أخيراً من إستعادة حماسة جمهوره، خلال مباراته مع البرتغال، والتي خرج منها بفوز رائع، مشهود؛ فوز لمعنوياتي، أيضاً، ولرحلتي المختتمة بفرحة مليونية، عارمة.

Dilor7@hotmail.com


بريدك المجاني الخاص
اسم الدخول
كلمة السر

»  مستخدم جديد؟ اشترك الآن!


Google


صورة الاسبوع


www.amude.com | © 2000-2004 amude.com [ info@amude.com ]
destpêk | start: 26.09.2000