رئيس التحرير: نزار آغري
آفاق كردستان - نافذة مفتوحة على السؤال
 
17.04.2005 - 14:24 [ قرأت هذه المادة 1867 مرة ] [ طباعة ]
----------------------------------------------------------------------------------

عن المسكوت والقليل الذي نحب

طه خليل

"الى الفنان نهاد الترك "



الشاعرأبو مدين التلمساني , الاندلسي قال ذات مرة:

أمر على الأبواب من غير حاجة لعلي أراكم , أو أرى من يراكم

لاشك ان الرؤية هنا حلم راود الشاعر بعد ان استحال عليه اللقاء , فرضي لنفسه العاشقة ورحه الولهى بالرؤية , وعندما استحالت عليه رؤية الاحبة , راح يحلم برؤية من يراهم وهذا أضعف الايمان , والعياذ بالله!

قرأت هذا البيت وعرفته منذ زمن بعيد , ولكنني سمعته مؤخرا بصوت المغني العراقي الياس خضر , فحرك في روحي حنينا قديما , وشوقا دفينا لا أدري بالضبط لمن , ولعل صوت الياس خضر الجريح , قد فعل فعله في نفسي الى جانب صوفية البيت ورقته , ففي الروح سدود شامخة لأحزان مؤجلة , وبكاء سيجيء يوما ليجرفني , ويهد في كل الضعف البشري الذي أتحايل عليه فأظل متماسكا , وقورا ، لاأظهر الحرائق التي تأكل أخضري من الداخل , فقبل أيأم كان العيد العاشر لميلاد ديلام , ولدي الذي أكتفيت بأرسال بطاقة بريدية له , بطاقة تحمل رسما لصلاح الدين الأيوبي , وكتبت له خلفها : هذا هو جدك الأكبر ، الكردي العنيد , جدك صلاح الدين من طرف الأب , الذي طرد جدك الآخر من بلاده , جدك الاصغر من طرف الام , والذي جاء الى هذه البلاد ليغير هويتها , سنوات مرت ولم أرك ، وفي المرة الاخيرة حين جئت الى بيرن السويسرية , لم تكن هناك , فمررت انا الآخر من هناك , قلت لعلي أرى من قد رآك , وكنت أعرف ان حنيني لن يستكين بلقاء , ولا يهد حزني بكاء , ولكن حزني عنيد فيه شيء من كرديتي , وشوقي شرقي فيه من وجد المتصوفين عناد لا يفصح عن شكله.

هم كثر هؤلاء الذين نحن اليهم , ونفتقدهم , وكثر هؤلاء الذين مررنا بأبوابهم لعلنا نراهم أو نرى من يراهم , وهأنذا ارتجف وأنا استمع لهذا البيت الصوفي , أرتجف حزنا على نفسي , وعلى نفوس ترضى بقليل القليل ولا تتمكن منه , نفوس تعلمت الانكسار وارتاحت للغبن , حتى باتت تراه طبيعيا ,في منظومة سنن سنها أناس غامضون ، وروضوا أحلامنا على مقاسات تكاد لاتتسع لموطئ أقدامنا الصغيرة والمتعبة .

تحب وتعرف ان من حقك ان تجالس من تحب , ولكن هناك من يوصد الابواب دونكما , فترضى باتصال تلفوني منه , وعندما يستحيل عليكما الاتصال , فترضى بسماع تحية منه عبر طرف ثالث , وعندما يستحيل هذا تحلم بأن تراه عرضا في شارع ما وهو يمر مرورا بقربك !
يسجنك السجان دون وجه حق , يرميك في غياهب الزنازين ، وأنت بريء لم تدنس وردة في حديقته , ولم تسرق من مخازنه ما يخفيه , فيعفو عنك بعد ان يحطم شبابك ، ويعبث بروحك ويطلق سراحك بعد ان يغزو الشيب رأسك , فتخرج الى الدنيا لتشكره , وتعدد مناقبه الجليلة لزوارك , لأنه لم يقتلك تماما , وينهي حياتك , فتعطيه الكثير وترضى بالقليل . وتشكر أصدقاء لأنهم تذكروك , وكان بمقدورهم ان يفعلوا أكثر , لكنك لا تحلم بالكثير .

يهجم عليك حرامي ما , يسلبك ما عندك من متاع ولباس , ويتركك زمنا وأنت معدم , وحين يعيد اليك قطعة مما سرقه منك , ستشكر نخوته , وانسانيته العالية , ويوافقك الآخرون قائلين : نعم .. فماذا كنت ستفعل لو لم يعد لك هذه أيضا؟
يحتلون أرضك ويصادرون حريتك , ويقمعون صوتك , ويسجنون أهلك دون وجه حق , ويمنعونك من طقوسك , ولغتك , وتراثك , ولباسك , وعندما يسمحون لك مرة بترديد أغنية من أغانيك , فأنك ستشكرهم , وتستكثر على نفسك نقطة من بحر حقوق مغيبة .
نحن محكومون بالقليل , ونرضى به , ولكن الآخرين يبدعون في سلبنا هذا القليل , ويقنعوننا دوما بصحـ "هم " ويجعلوننا نشعر بذنب لم نقترفه دوما .

تدخل الى مطعم ، لتأكل عشاء , ويفترض بك ان تدفع ثمن العشاء , ولكنهم يقنعونك بأن تدفع بالاضافة لثمن العشاء , ثمن الدخول الى المطعم , تخرج وتقنع نفسك بأن ما دفعته لا يستحق ان تغتم له . وتتناسى بعد قليل انهم سلبوك حقا كان عليك ان تقاتل من أجله , ولكنك تمر على الابواب لعلك ترى من يراهم .
وأعود للتلمساني الذي أقنعنا منذ الاندلس ان نرضى بالقليل , وبأن القناعة كنز لا يفنى , وان فنينا جميعا , فما علينا الا ان نشكر ونحمد من يتركنا نستمر في العيش , فقد زرع في نفوسنا رعب الالغاء , واحتمال التغييب في كل لحظة .

نقارن حالاتنا دوما بالحالات الاسوأ , لكي نشعر بالطمأنينة , والرضى ,نحن مرضى فنسعد لأننا لم نصب بالسرطان , نتعلم لغة أجنبية بعد عشرين سنة من التعلم ، فيجيء الينا من يبدي اعجابه , بموهبتنا الفريدة , لأن هناك من ظل ثلاثين سنة لم يتعلم نفس اللغة , تشكو بلادنا من الفساد والمفسدين ،وغياب الديمقراطية , فنقول : الحمدلله ، ففي كولومبيا لم تترك المافيا راحة للسكان , وفي أفغانستان لا تحتمل الحياة!

في منتصف الطريق , عندما تعترض على رعونة السائق , يقول لك: ان لم يعجبك فانزل من الحافلة , وأنت سيعجبك بالطبع, فأين ,وكيف تتزل من الحافلة وأنت في الصحراء بين تدمر ودير الزور بعد منتصف الليل , سيعجبك بالتأكيد , وعليك ان تبتسم للمرافق , وتظهر اعجابك بمهارة السائق , واختياره لأغاني جورج وسوف الوطنية ,وفي الاستراحة هو الذي سيختار المطعم الذي يجب ان تأكل فيه أو تشرب فيه قهوتك , وعليك ان تدفع لصبي يجلس امام المغاسل اذا ما أردت ان تقضي حاجة , أو تغسل يديك , فالعرف ان تأكل دون غسيل للأيدي فتلك من مظاهر الترف , في بلادنا التي ترغمنا كل يوم لنرضى بالقليل , ونمر على الابواب لنرى من يراهم , وفي أكثر الاحيان لا نرى أحدا .

ايها التلمساني : كنت سأحبك بطريقة أخرى لو انني عرفت بأنك تمر على الابواب لتراها هي , وليس لترضى برؤية من يراها , فأنت الذي فتح لنا باب القليل , وعلمتهم بأننا راضون عنهم عندما نسكت , وها نحن نسكت وننتظر , ولعلنا سنبرهن لهم ذات مرة : ان السكوت علامة الرفض , فيجبروننا على الصراخ .
www.amude.com/afaq
 copyright © 2004 amude.com [ info@amude.com ]