رئيس التحرير: نزار آغري
آفاق كردستان - نافذة مفتوحة على السؤال
 
13.04.2005 - 14:30 [ قرأت هذه المادة 1876 مرة ] [ طباعة ]
----------------------------------------------------------------------------------

إلى من يهمه الأمر، ومن لا يهمه... دعــــوة للـــحوار...

هوشنك أوسي - دمشق

" كلامي صائبٌ، يحتمل الخطأ. وكلامك خاطئٌ، يحتمل الصواب."
الإمام الشافعي


تقول الحكاية الكردية: "إن كردياً كان يقتاتُ من الاحتطاب. بحيث كان يقوم بجمع الحطب ثم يبيعه، وبثمنه، يعين عياله. وفي إحدى الأيام، وبينما كان قد أثقل كاهل دابته بأحمال ثقيلة من الحطب، ويعتلي كومة الحطب تلك، صادفه كرديٌ آخر. فأشفق على الدابة قائلاً: يا رجل، مالك تعذب هذه الدابة الخرساء المسكينة بحملك وحمل حطبك؟!. ترجَّل، واعتقها. فأجاب الكردي الحطَّاب: وحطبي؟. ردَّ الرجل: كم ثمنه؟ سأشتريه منك. فردَّ الرجل: وحطبي؟. أجاب الآخر: خذ ثلاثة أضعاف ثمنه. فأجاب الحطَّاب: وحطبي؟ فردَّ الرجل: خذ ثمن الدابة أيضاً واعتقها !. فأجاب مرة أخرى: وحطبي؟. فترك الرجل الكرديُ الكرديَ الحطَّاب. وذهب في حال سبيله."

ليسمح لي كاتبنا الكبير سليم بركات وقُرَّاؤه الأعزَّاء، بتوظيف إحدى عناوين مقالاته المنشورة في الحياة اللندنية، كعنوان لهذا المقال، لِمَ له من دلالة تبيانية تصريحية توضيحية لكل من لديه لبسٌ في الأمر، أو شواش في الرأي حيال موضوع أو عدة مواضيع معينة، بغية إزالة هذا اللبس، وتبديد ذلك الشواش.
وليسمح لي المهتمون بالتراث الإسلامي بتوظيف إحدى أقول الإمام الشافعي كمدخل لهذا المقال، لم له من حثٍّ على التواصل الفكري، وإفساحٌٍ للمجال أما السجال الجاد، بغية البحث عن الحقيقة. حتى لو كان قول الشافعي لم يورد هنا بحرفيته الواردة في كتب التراث الإسلامي.

مُصرُّون على محاولة قتل الناطور، وسحق وإتلاف العنب.

أية تجربة، سواء كانت علمية أم سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية أم ثقافية...الخ أثناء سيرها نحو الأهداف التي قامت لأجلها، فإنها تمرُّ بإخفاقات ونجاحات، بسلبيات وإيجابيات عِدَّة. وقد تصل هذه التجربة إلى مبتغاها، وقد لا تصل. وعلى فرض أنها لم تصل إلى أهدافها، فيجب على كل من يجد في نفسه القوة والقدرة على إعادة التجربة بشكل آخر، أن يرى كل فصول ومراحل وجوانب هذه التجربة، السلبية منها والإيجابية. كي لا يكون فعلاً منعكساً لها، إثناء نقدها، من جهة. وكي لا يقع في المطبَّات والهفوات والأخطاء التي وقع فيها من سبقه في هذه التجربة، من جهة أخرى.
وفي حال حققت هذه التجربة أهدافها، ينبغي على صاحبها أو أصحابها أن يقرُّوا ويعترفوا بحجم الأخطاء والسلبيات التي تقف وراء هذا النجاح، كي تكون اللوحة كاملة. بمعنى، أن لا نرى الوجه أو السطح الجميل للوحة فقط، بل الوجه الآخر لها.

طبعاً، غنيٌ عن البيان، أن هنالك ثمة تجارب سياسية، اقتصادية، اجتماعية ثقافية تنجزها الأمم والمجتمعات بأكملها، خاصة في المراحل الطارئة أو الانتقالية أو المستقرَّة لها. كولادة نظم دينية أو دنيوية على حساب أو أنقاض أخرى. كخوض ثورات، وبناء دول، أو ما شابه ذلك. فالدين الإسلامي، بما يحمله من قيم ومثل وأخلاق نبيلة...الخ، قام وانتشر بحد السيف، وشارك في ذلك، حتى الشعوب التي تضررت منه، ودخلت فيه عنوةً، كالشعبين الكردي والفارسي.
واللوحة الخلفية لديمقراطية أوروبا وأمريكا هي عشرات الحروب الأهلية والإقليمية، وحربين عالميتين، جرَّت الويلات والكوارث البشرية والبيئية، التي مازالت آثارها موجودة في الذاكرة العالمية. وما أعتقده هنا بأنه حتى المناوئين أو المعارضين أو المختلفين مع أي تجربة مجتمعية شهدتها البشرية، كان لهم إسهامهم غير المباشر في وصولها للنجاح. فقد كان لـ"أبو لهب" دوره في الإسلام. ولتروتسكي دور في الثورة البلشفية...الخ. أعتقد أن هذا هو جزء من منطق التاريخ وديالكتيكه الذي بموجبه يمكننا تحليل وتشخيص حركة التاريخ، وصولاً لمعرفة ميكانيزم أو صيرورة ارتقائه.

ما أود الإشارة إليه هنا، هو أنه ثمة للمختلفين أو المخالفين أو
المعارضين أو المناوئين و حتى المنشقَّين دورٌ في نمو وتطور واتساع رقعة تأثير حركة أوجلان، حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن. فلكلٍ حيزّه الذي يشغره، ودوره_المؤيّد أو المعارض_ الذي يلعبه في هذه التجربة الاجتماعية السياسية الثقافية التي مرَّ ومازال يمرُّ بها الشعب الكردي.

هذه التجربة والمحطة النضالية الهامة في التاريخ المعاصر للكرد عموماً ولكرد تركيا خصوصاً، تركت بصمةً وتأثيراً، كان لهما بالغ الأهمية في الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي الكردستاني. ألقت، ومازالت تلقي بظلالها على تجليات المشهدين السياسي والثقافي الكردي في كافة أجزاء كردستان وفي بلاد المهجر أيضاً. كون هذه التجربة كانت بمثابة زلزال هزَّ المنظومات القيمية والبنى الفكرية في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية الكردية. فأحدثت انقلاباً على كافة المفاهيم التقليدية الكلاسيكية في العمل النضالي التحرري الكردي. وبالتالي، أرست دعائم أنماط وأنساق جديدة للنضال التحرري الكردي_ لم تكن معهودة أو معروفة، أو كانت مستهجنة لدى القوى السياسية التقليدية الكردية_ من ثم رسَّختها، محددةً معيار تطورها وتعديلها أو تغييرها. فتحولت حركة أوجلان من ظاهرة غريبة مشكوك في ديمومتها، إلى حالة اجتماعية سياسية ثقافية راسخة أصيلة وفاعلة في الواقع الكردي عموماً، بإثباتها لحضورها القوي الملفت والمؤثِّر في الحياة السياسية الكردستانية. ناهيكم عن دورها في تحديد ملامح هذا الواقع، كونها جزء هام منه. وتحديد ملامح مستقبله، كونها جزءٌ مؤثِّرٌ فيه.

وأعتقد أن أهمية تجربة حركة أوجلان "حزب العمال الكردستاني pkk" كمحطة نضالية هامة في التاريخ الكردي المعاصر، وما يميزها عن باقي الحركات والتجارب الكردية الكلاسيكية الأخرى، تأتي من عدة أسباب، لعل أهمها:

1- مشاركة وتأييد قطاعات كبيرة وهائلة من الشعب الكردي المتواجدين في أجزاء كردستان وفي المهجر "أوروبا، أستراليا، القفقاس..." فيها، حتى الآن.
2- مشاركة وانتماء عدد كبير من الشعوب المحيطين بالشعب الكردي في هذه التجربة، واستشهاد الكثير منهم ضمنها، كـ"الترك، العرب، الفرس، اللاظ، السريان، الأرمن، الآشوريين، الروس، الألمان، اليونان."
3- وجودها كعقدة مفصلية بين قرنين من الزمن. القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين الذي نحن فيه. وبالتالي، فهي تحمل في تجربتها إرث الثورات التحررية العالمية التي شهدها القرن المنصرم، ومنها الكردية. بالإضافة إلى رؤى وطروحات معاصرة حول الديمقراطية والدولة الوطنية والتعايش السلمي بين الشعوب والنظم الإقليمية والعالمية، الأكثر تداولاً وتناولاً من قبل الأوساط السياسية والثقافية في العالم.
4- مقارعتها لأعتى قوى شوفينية عسكرية إقليمية، تتمثل في النظام الأتاتوركي الطوراني، عسكرياً وسياسياً وثقافياً حتى الآن.
5- التحول الاجتماعي الكبير التي أحدثته في المجتمع الكردي، عبر المشاركة الكبيرة والفاعلة للمرأة الكردية فيها.

وأعتقد أن أهم خصوصية ميَّزت هذه الحركة عن مثيلاتها من الكرديات والعالميات، هي بقدر ما لاقته هذه الحركة من دعم وتأييد كردي وأممي لها، بقدر ما لاقته من عداء منظَّم من قبل بعض القوى والجهات الكردية والنظم الإقليمية والدولية لها، مازال مستمراً حتى الساعة.
فهذه الحركة منذ نشأتها وهي تخوض صراعاً شرساً ومستميتاً ضد ذاتها، بغية تطويرها، وضد الذين يستهدفونها، بغية الحفاظ على بقاءها، حتى تصل إلى ما تأسست لأجله، وهو حصول الكرد على حقوقهم العادلة.
وربما أن حجم العداء الذي تكنُّه بعض النظم الإقليمية والعالمية لهذه الحركة ما يبرره. لكن، المثير للدهشة والاستغراب والريبة، هو هذا الحجم من الحقد والكره والعداء "التاريخي" الذي تكنُّه بعض الجهات الكردية وبعض الكرد (المثقفين)، المسيسين (المستقلِّين)، تحت عنوان "حرية التعبير عن الرأي، والنقد...الخ" لهذه التجربة!!؟
فأن يكون المرء على نقيض من تجربة سياسية أو ثقافية_فردية أو جماعية_ أو على اختلاف معها، فهذا لا يخوِّله أن يقوم بنفيها. وإن لم يستطع، فبنفي أي سمة إبداعية عنها. بمعنى، يمكن للملحد، وبمنتهى البساطة أن ينفي وجود الله، دون تقديم الدليل المادي الملموس على صحة رأيه. لكنه، وببساطة أكثر، لا يستطيع أن ينفي وجود مليارات البشر المشكِّلة للأديان التي تقرُّ بوجود الله، وتدعوا لعبادته.

مما لا شكَّ فيه أن حزب العمال الكردستاني مارس، ما يمكن تسميته بالعنف الأيديولوجي الفكري بشكل حاد مع كل الأنساق الفكرية التي كانت سائدة آنذاك، والمتصدِّرة واجهة العمل السياسي الكردي، والمحتكرة له، المتحكمة بسُدَّته وتفاصيله. انطلاقاً من أن تلك الأنساق التقليدية، هي أيضاً لم تكن تسمح البتَّة بوجود أي طارئ أو وافد جديد يزاحمها على مواقعها. ولكي يخلق هذا التعبير الأيديولوجي النضالي الجديد_أي pkk_ لنفسه حيّزا يتيح له الإفصاح عن هويته وتركيبته الجديدة فيه، في ظل تلك الممانعة القوية التي كانت تبيدها الأنساق الكلاسيكية، كان يتحتم عليه ممارسة شيء من الضغط الإيديولوجي ذا الطابع الإزاحي الذي يبرره طبيعة التشكيل الجديد اليسارية الثورية القومية، من جهة. ومنطق الصراع المشروع بين القديم والجديد، التقليدي والحداثي المعروف تاريخياً، من جهة أخرى. وبالتأكيد، فقد رافق ذلك الضغط الأيديولوجي الإزاحي، بعض المظاهر السلبية التي مازلت آثارها النفسية موجودة حتى الآن. كما لا يمكننا أن ننفي_وبأي شكل من الأشكال_ أن الممانعة السياسية والإيديولوجية التي كانت تبديها الأنساق والأشكال السياسية الكردية التقليدية حيال الوجود و النمو المضطرد والهائل للتشكيل الجديد، كان هو أيضاً ذا أبعاد حادة تثير الشكوك والشبهات في طبيعة التشكيل الجديد، وصلت لحد الطعن في مصداقيته الفكرية والقومية والوطنية. وصولا للتهجم على قيمه وأخلاقياته بشكل مبتذل وسافر وسوقي بذيء، إلى حد نعت الفتيات المنتميات لحركة أوجلان بـ(العاهرات) وأن القتلى الذي يسقطون في الحرب التي أعلنتها حركة أوجلان ليسوا بـ(شهداء)، وأن أوجلان ما هو إلا (زير نساء)، وأن أوجلان من أمر (بقتل) مظلوم دوغان كي يزيحه من أمامه، كون دوغان كان زعيم الحزب، حسب زعمهم. وإن كل ما ينشره الـpkk من كتب وإصدارات لأوجلان، هي ليست له، بل لزوجته "كسيرة يلضرم". وأن عناصر هذه الحركة، كفرة وقطاع طرق، ولصوص وقتلة وإرهابيون...الخ. ومع الضغط الأيديولوجي للتشكيل الجديد، وبعض مظاهره السلبية. و ردَّة الفعل الممانعة والمعاكسة لها، حدثت شروخ اجتماعية ثقافية ونفسية عميقة في بنى المجتمع الكردي، الهشَّة أصلاً.

والجدير ذكره هنا، إن حزب العمال الكردستاني، ومنذ منتصف التسعينات، قد تخلى عن ممارسة أي ضغط أيديولوجي ذا طابع سلبي على الأنساق التقليدية، بحكم المد التسونامي الهائل الذي شكلَّه هذا الحزب في كردستان تركيا وكردستان سوريا، فضلاً عن الساحة الأوروبية. لكن، بقايا تلك الأنساق الكلاسيكية المنضوية منها في أحزاب أو التي تعمل بشكل مستقل، مازلت تمارس وتزاول ذلك التعاطي السلبي مع حركة أوجلان، بداعي النقد وحرية التعبير عن الرأي...الخ. فمجمل ما تتطرق له هذه الأنساق في معالجاتها "النقدية" لم تخرج من إطار تعداد وإحصاء النتائج أو الجوانب أو المظاهر السلبية التي رافقت هذه التجربة، دون الخوض في الأسباب التي أدت إلى حدوثها، عبر ذكرها وتحليلها بشكل حيادي موضوعي يتوخى المعايير العلمية في النقد الفكري أو الفكر النقدي الذي على أساسه قد يتبلور وعي سياسي ناضج منتج ومتجاوز للأنساق التقليدية. وعي، يعوَّل عليه في التأسيس لفكر سياسي كردي فاعل ومؤثِّر في صوغ استراتيجيات من شأنها إخراج المجتمع الكردي من حالة التخبُّط السياسي، والركود أو التصحُّر الفكري الذي يعانيها حتى الآن.

وباعتقادي أن مجمل الرؤى التي تطرقت لتجربة pkk من حيث الفكر والممارسة، لم تنصف هذه التجربة حتى الآن. فثمة إجحاف وغبن وتجاهل متعمَّد للكثير من الجوانب الإيجابية النوعية، والمكتسبات والإنجازات القومية والوطنية الجد هامة لهذه التجربة من قبل الذين يدَّعون بأنهم يمارسون محاكمات عقلية نقدية على هذه التجربة. حيث يتم القفز والالتفاف على الجوانب الإيجابية الواضحة والجلية التي أنتجتها هذه التجربة المجتمعية النضالية التي تشكِّل محطة هامة من المحطات النضالية لهذا الشعب المناضل. ومعظم هذه الرؤى تأتي من خارج هذه التجربة. إذاً، من المفروض أن تكون هذه الرؤى أكثر انفراجاً وموضوعية وحيادية في الطرح والمعالجة النقدية.

كما أن هنالك ثمة إجحاف وغبن واضح بحق هذه التجربة من قبل الرؤى النقدية الآتية من داخل التجربة لها. وذلك بتضخيم وتفخيم بعض الجوانب الإيجابية إلى درجة الإفراط التي تسدُّ الرؤية عن عيوب ومثالب ونواقص وأخطاء هذه التجربة. وبالتالي، تخلق حالة ضبابية تعيق حركة العقل القائمة على الشك المؤدي للتفكير والمعرفة، كما يقول الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت: {إن المعرفة التي تصل حد اليقين، تأتي من خلال العقل. وفلسفته في ذلك للوصول إليها، تأتي من خلال الشك.}

والجدير ذكره هنا هو أن حركة أوجلان قامت بإجراء تغييرات نوعية على طبيعتها من حيث الشكل والتوجُّه والأهداف والسلوك والتعامل والتعاطي مع الآخر. لا يفهمنَّ أحد منِّي بأن هذه التغييرات قد وصلت لمبتغاها، بمعنى، حققت التحول الكامل ضمن الحركة بشكل كُلِّي، لا قطعاً. إلا أنها _أي حركة أوجلان_ قد قطعت أشواطاً لا بأس بها في هذا الصدد، تسترعي الاهتمام والتوقف عندها، عبر ذكرها وتحليلها.
فأعتقد أن معظم الرؤى "النقدية" التي تطرقت لتجربة الـpkk، سواء الآتية من داخل الحركة أو من خارجها_ مع تفوق نسبي واضح للآراء الآتية من خارج الحركة_ فإنها كابحة للعقل، ومضللة للوعي، ومشوشة للفكر. وبالتالي، فأنها لا تستطيع أن تكون موضوعية ومنصفة للواقع والوقائع، حتى تستشفَّ آفاق المستقبل. وبهذا الشكل، يتم إقصاء المجتمع عن روح العصر، بإدخاله في معمعة داخلية لا تفيد نمو الوعي والفكر المجتمعي الذي يُشكِّلُ جوهر ديالكيتيك تطور العقل المجتمعي سياسياً، ثقافياً، اجتماعياً...الخ، الذي بدوره يؤدي لتشكيل حالات حضارية رائدة، ذات دينامية فاعلة ومساهمة في صناعة وصياغة العصر.
فنقد التجارب، لا يعني البتَّة ذكر الجوانب السلبية لها فقط، بل تسليط الأضواء على الجوانب الإيجابية أيضاً.
وسأورد هنا، طبيعة وفحوى الآراء "الناقدة" لتجربة أوجلان وحركته. وسآخذ بعض النماذج الكرد سورية على سبيل المثال، لا الحصر.

عندما بدأت حركة حزب العمال الكردستاني تستقطب شرائح وقطاعات من الكرد السوريين، بدأت الحركة السياسية الكردية السورية إعلان انقلابها على تعاطفها من هذه الحركة. هذا التعاطف الذي كان موجوداً لكل الحركات الكردية التركية الهاربة من طغمة انقلاب 12 أيلول الفاشي في تركيا سنة 1980. وببدو أن وجود الـpkk في سوريا كان مشروطاً بوجود بعض العلاقات مع السلطات الأمنية السورية ومع النظام السوري. وهذه هي النقطة الأبرز التي مازال يعزف عليها "منتقدو" أوجلان. لا شكَّ، إن في هذه النقطة أهمية مفصلية تحدد طبيعة تعاطي حركة أوجلان مع الحالة الكردية السورية واستحقاقاتها القومية والوطنية. لكن، حتى بعد وجود وتنامي حالة الصِدام والتي وصلت لحد العداء بين النظام السوري وحركة أوجلان, لا زالت تردد نفس الكلام الذي كانت تردده إبان تواجد أوجلان في سوريا. والجدير ذكره هنا، إن حالة الخصام التي تحولت لصِدام بين النظام السوري و حركة أوجلان بدأت بعد أن أعلن أوجلان تجميد الكفاح المسلح ضد تركيا والاتجاه للعمل السياسي. لقد حاول النظام السوري الضغط على حركة أوجلان بشتى الوسائل للعدول عن هذا القرار الذي من شأنه ضبط النزيف الكردي التركي والحد منه، إن لم يكون باستطاعته إيقافه نهائياً. وقد تكلل هذا الصِدام بين الطرفين بعقد اتفاقات أمنية بين النظامين السوري والتركي حول القضية الكردية عموماً، وحركة أوجلان خصوصاً. ما أود قوله هنا: بأن تلك النماذج التي تزعم أنها تنتقد أوجلان وحركته حالياً، بكلامٍ ينتمي للماضي، إنما تتقاطع مع النظام السوري في حمالاته المعروفة والمشهودة، وحربه غير المعلنة على هذه الحركة، كونه_أي النظام السوري_ يفي بالتزاماته وعهوده التي أعطاها للنظام التركي حيال هذا الموضوع.

أعلن الـpkk الكفاح المسلح على تركيا سنة 1984، فقالت تلك النماذج "الناقدة" بأن هذه الخطوة طائشة ومتهورة وتخدم الأعداء، ولا تصبُّ في خدمة القضية الكردية، ويجب العدول عنها. لأنه بالسياسة فقط يمكن حل القضية الكردية في تركيا. وإلى ما هنالك من انتقادات. وعندما جمَّدت حركة أوجلان استراتيجية الكفاح المسلح، تلك النماذج نفسها التي طالبت بهذه الخطوة، عادت لتتهم أوجلان وحركته بالانهزامية والاستسلام وتصفية القضية الكردية...الخ، لأنه تخلى عن الكفاح المسلح، كوسيلة حل وحيدة لإجبار النظام التركي بالاعتراف بحقوق الكرد.

عندما كانت حركة أوجلان تتجاهل القضية الكردية في سوريا، بحكم علاقاتها مع النظام السوري، كانت تلك النماذج تتهم هذه الحركة: إنها قد باعت كردستان سوريا للنظام السوري. وإن أوجلان عميل وخادم وأجير عند النظام السوري...الخ من الاتهامات المجانية المزايداتية. وعندما بدأت حركة أوجلان تتحدث عن كرد سوريا وكردستان سوريا والقضية الكردية في سوريا وضرورة حلها. تلك النماذج نفسها بدأت تتهم و"تنتقد" بكلام ينتمي للماضي، حركة أوجلان بالتطرف. وتطعن وتشكك في مصداقية هذه الحركة وتعاطيها الصحي السليم مع الحالة الكردية السورية، الذي كانت تطالبها به.

عندما كانت حركة أوجلان تتعامل بنزعة فوقية مع فصائل الحركة الكردية السورية، كون حركة أوجلان تتعاظم وتكبر بشكل مضطرد وهائل_كمَّاً ونوعاً_ قياساً مع هذه الفصائل التي كانت تتضائل وتتشتت وتتشرذم...الخ. كانت تلك النماذج تنتقد هذه الظاهرة غير الصحية في التعاطي السياسي مع الآخر. طبعاً لقد كانت محقة في هذا النقد، نوعاً ما. وبعد أن غيِّرت حركة أوجلان مواقفها من الحركة السياسية الكردية السورية، وتتعامل معها على قدم المساواة. بدأت تلك النماذج نفسها، تتعامل مع حركة أوجلان بنفس طريقتها السابقة الإقصائية التهميشية.

عندما كان جل تركيز حركة أوجلان على كردستان تركيا، والموضوع الكردي السوري في الأولوية الثانية أو الثالثة لديها، كانت تلك النماذج تنتقد هذا التعاطي، وتطالبها بالالتفاة إلى الشأن الكردي السوري، والاهتمام به. وبعد ان تمَّ ذلك، بتشكيل حركة أوجلان حزب سياسي ومنظمات نسائية وشبابية من الكرد السوريين، يتوقف نشاطها ضمن الحيز الكردي السوري، دون أن تتخلى عن العمق الكردستاني لها. مازلت تلك النماذج تطعن وتشكك في مصداقية هذه الخطوات الجادة التي مازالت بحاجة إلى اهتمام ومراجعة دقيقة.

وعلى ضوء ما تقدم، فإن حركة أوجلان أجرت تغيرات، وتعرضت لهزَّات وانعطافات كبيرة، وتخلت عن الكثير من المظاهر والممارسات والمفاهيم السلبية في التعاطي مع الشأن الكردي السوري. وأجرت عمليات إصلاحية على تكوينها من حيث الفكر والممارسة. إلا أن "منتقدي" أوجلان وحركته، لم يتخلوا عن لغتهم التهكمية الإقصائية المزايداتية التي تنتمي للماضي، في تعاطيها مع هذه التجربة النضالية. فالأشكال والمظاهر السلبية التي كانت تمارسه حركة أوجلان في التعاطي مع الآخر، والتي تخلت عن جزء كبير منها، مازالت تزاوله بعض الأنساق السياسية والثقافية مع حركة أوجلان، بداعي النقد والتعبير عن الرأي...الخ. فتحولت هذه الأنساق إلى فعل منعكس وصدى لماضي pkk. وبالتالي، فهذا النمط من "النقد" المنتمي للماضي، لا يمكنه البتَّة لا تجاوز ذاتها، ولا تجاوز تجربة pkk. لأن ممارستها للنقد هو لمجرد النقد. بمعنى، أنها توحي بمزاولة الاختلاف لمجرد الاختلاف، غير المرتكز على أسس فكرية أيديولوجية متفقة في الهدف، ومتباينة في المعالجة.

مما لا شك فيه، بأن الفرنسيين والإنكليز والاوروبيين عموماً قد نسوا ما فعل بهم الألمان عندما أتوا بهتلر إلى سدة الحكم في ألمانيا، عبر صناديق الاقتراع، ومساندتهم لجنونه النازي الذي دمَّر ألمانيا وأوروبا. بدليل الواقع الاتحادي الذي تعيشه الشعوب والنظم الأوروبية. وأن اليابان نسيَ ما فعله الأمريكان بهيروشيما وناغازاكي. بدليل التحالف السياسي والعسكري والتواصل الاقتصادي بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية. وإن الديانات السماوية المتناحرة فيما بينها، بالإضافة إلى طوائفها ومذاهبها، قد وضعت خلافاتها جانباً. وبدأت تتقارب وتتحاور، محاولة نسيان الإرث التصادمي التاريخي. النظم العربية بدأت_واحدة تلوَ الأخرى تتحاور مع إسرائيل، بالرغم من حجم العداء التاريخي بين الطرفي. علاوة على المشاريع القومية العلمانية والإسلامية العربية المعادية لإسرائيل، والمطالبة بسحقها ومحقها من الوجود. غرب أوروبا تصالح مع شرقها. وبدأت عملية الاحتواء والدمج فيما بينهما. لكن، الذين كانوا على خلاف وصِدام مع حركة pkk وزعيمها أوجلان، لا يستطيعون نسيان الإرث السلبي الذي تتحمل الظروف الداخلية والإقليمية وكلا الطرفين مسؤوليته، كي يتجاوزوا الماضي وعقدة الحقد والكره التي يكنُّوها لهذه التجربة. وأعتقد بأن البقاء على هذه الوتيرة من المسلك السلبي في التعاطي مع الواقع، بحجة النقد، وإصرارها على الانتماء للماضي التناحري الاحتدامي بينها وبين تجربة pkk ، والبقاء فيه، يثبت بأن هذه الأنساق مُصِرَّة على محاولة قتل الناطور. وإتلاف وسحق العنب. فالنقد المتجاوز للحقد والكره، هو الذي من شأنه تفعيل الوعي وتحريك العقل، وصولا لصناعة المعرفة. أما النقد المستند لخلفيات عدائية وحقد وكره مكبوت أو معلن، فهو التعبير الأصدق عن الجهل والركود والضمور الفكري. وبالتالي، الشلل أو العقم العقلي. كما أعتقد بأن هذه النماذج إن بقيت مصرَّة ومصممة على مواصلة المعاندة الجاهلة في التعاطي مع تجربة الـpkk ، بدلاً من المعاندة الواعية العاقلة الناقدة، فسيكون مثلها مثلُ الكردي الحطَّاب الذي ظل يردد:"وحطبي؟" في الحكاية الكردية المذكورة أعلاه، حتى بعد أن قدمت له الحلول الكثيرة لحل مشكلة حطبه.

بعض المقاربات والمقارنات التاريخية التي لا بدَّ منها.

غنيٌّ عن البيان، مدى تطور الوعي السياسي للنبي محمد، ومدى امتلاكه لمهارات سياسية فائقة، إلى الجانب الأخلاقي الموازي للجانب الآنف الذكر الذي تمتع به محمد. على اعتبار أنه نبيٌّ "لم يُرسَل إلا متمماً لمكارم الأخلاق". وبالطبع فأن الجانب السياسي الاستراتيجي في تعاطيه مع خصومه، لم يكن ناجماً عن فراغ. بل كان نتيجة تراكم نوعي في وعيه على خلفية تعاطيعه مع التجارة لمدة لا بأس فيها، أثناء مرحلة غاية في الأهمية من تبلور تكوينه النفسي والعقلي، بانتقاله من العمل في الرعي بشكل مباشر للعمل في التجارة. ومع من؟ مع أهل الشام والحجاز!. معروف بأن "السياسة هي التعبير المكثَّف عن الاقتصاد" حسب ما يرى كارل ماركس. وبالتالي، فالسياسة هي فن صياغة الخطط التي من شأنها تحديد التحالفات التي تفرز بين الخصوم والأعداء والأصدقاء، بغية تأمين المصالح الفردية أو المشتركة، والمحافظة عليها.

فقد كان محمد رجل دولة وسياسي بارع من الطراز الأول، على عكس ابن عمه علي الذي كان رجل أخلاق أكثر من كونه داهية سياسي مخضرم، يجيد ضبط المعادلة السياسية مع خصومه لصالحه. والأمثلة التاريخية التي تؤكد هذه الحقيقة أكثر من أن تحصى. ففي الفترة السرِّية لدعوته، استجار واستنجد بالنجاشي_ المسيحي_ ملك الحبشة. وقد كان ذلك من حيث المبدأ، نقضاً صارخاً لمبادئ الإسلام الرافضة لعقيدة التثليث "الآب والابن والروح القُدُس". لأن الإسلام يذكر بأن "الله واحد أحد، فردٌ صمد، لم يلد، ولم يولد. ولم يكن له كفءٌ أحد". حيث يعتبر الإسلام عقيدة التثليث في المسيحية هي إشراكٌ بالله. ومن أشرك، فقد كفر. والكافر في النار. فكيف لنبي أن يستجير بـ "كافر مشرك" مثل النجاشي؟! أما إذا نظرنا إلى هذا المسلك من زاوية سياسية، فلا غبار على هذا التكتيك الذي سرعان ما تخلى عنه محمد في فترة قوته. كما أن محمد، هو من عقد "صلح الحديبية" مع قريش في فترة ضعفه. وهو الذي نقض صلحه في فترة القوة واشتداد عود دعوته. من حيث المبدأ، صلح الحديبية كان منافيا لمبادئ الإسلام الداعية لعدم الصلح والمصالحة مع الكفر والشرك. لكن من الناحية السياسية هذا تكتيك في محله، كان من شأنه امتصاص فورة وغضب قريش على دعوة محمد في فترة ضعفها. وسرعان ما تخلى عن هذا التكتيك، بعد انتهاء صلاحيته السياسية. فمحمد كان مناوراً سياسياً محترفاً، حيث كان يهادن ويصالح في فترة الضعف، ويخاصم ويقاوم في فترة القوة من دعوته. على عكس الإمام علي، الذي حاول لمرة واحدة لأن يكون فيها سياسياً، ففشل فشلاً ذريعاً أودى به وبعائلته وشيعته إلى ما يذكره التاريخ. وقد كان ذلك أثناء طلب معاوية للتفاوض مع علي، وذلك برفع القرآن على الرماح، وجعله حكماً بين الطرفين. وقد كان علي في أوج قوته، ومعاوية في أدنى درجات ضعفه. فرضخ علي لطلب معاوية تحت ضغط الجانب الأخلاقي فيه على الجانب السياسي. وضرب عرض الحائط رغبات قسم من شيعته الذين كانوا يرفضون مبدأ التفاوض مع معاوية، مما حدى بهم أن ينشقَّوا عن علي، ويخرجوا من شيعته، ويكفِّروه، من ثم يصدرون الفتوى بقتله. فقتل علي على يد عبد الرحمن بن ملجم الخوارجي. وبالتالي، خسر علي حياته وخلافته ثمناً لموافقته على طلب معاوية الذي كسب جولة التفاوض، وكسب الخلافة.
موقف علي كان منسجماً تماماً مع مبادئه وأخلاقياته التي كان يظن بأن القرآن سيحكم لصالحها، لو فعلاً كان معاوية يود ان يجعل من القرأن حكماً وفيصلاً بينهما. موقف علي كان أخلاقياً ومبدئياً. على عكس معاوية الذي كان يعرف نقطة ضعف علي المتمثلة في القرآن. فقد وظَّف معاوية حتى القرآن للوصول لمكسب سياسي تاريخي عمَّق من شدَّة الخلاف التاريخي بين الشيعة السنة في قضية الولاية أو الخلافة في الإسلام.

تحت ضغط اشتداد الطوق الهتلري حول سوفيتات الثورة البلشفية إبان الحرب العالمية الثانية، اضطرَّ ستالين إلى عقد تحالف مع ترومان وتشرشل، بغية كسر الحصار الضارب حول خنَّاق حصن الشيوعية. وقد كان له ذلك، بأن حوَّل السوفيتات التي كانت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، إلى قطب عالمي غير مسار التاريخ. من حيث المبدأ، فقد ناقض ستالين مبادئ الشيوعية في معاداتها للإمبريالية والبرجوازية بتحالفه معها. ومن الجانب الأخلاقي، فقد خان ستالين ماركس ولينين وفلسفة الدولة الشيوعية بأن وضع يده في يد مصَّاصي دماء الشعوب والبروليتاريا...الخ. لكن، وفق، منطق التحولات والتحالفات السياسية، فقد كان تصرف ستالين قمة الحكمة والدهاء الذي أخرج الاتحاد السوفيتي من عنق الزجاجة الذي كاد أن يخنق التجربة البلشفية وهي مازالت في طور التكوين السياسي، وتعيش مخاضات الصراع مع التحديات والتهديدات الآتية من الداخل والخارج.

الزعيم الكردي، الملا مصطفى البارزاني، عندما تحالف مع شاه إيران ضد النظام البعثي العراقي البائد، من حيث المبدأ والأخلاق، فقد وضع يده في يد من أعدم رفاقه وقادته_قاضي محمد ورفاقه_ في جمهورية كردستان في مهاباد، كون البارزاني كان وزير دفاع في الجمهورية. وبالتالي، فقد خان الجمهورية وشهداءها، في وقت كان من المفروض ان يدافع عنها. أمَّا من حيث التكتيك السياسي، الذي فرضته ضرورة وجود حليف إقليمي يكون بمثابة الجبهة الخلفية للثورة. وقد استفاد الملا البارزاني من حدة التناقض والخلاف الكائن آنذاك بين النظامين الشاهينشاهي في طهران، والبعثي العفلقي في بغداد.

ذهاب كل من الرئيسين الزعيمين الكرديين المام جلال والكاك مسعود إلى بغداد_عقب انتفاضة آذار المجيدة لشعبنا الكردي في كردستان العراق_ ومصافحة واحتضان وتقبيل الدكتاتور القاتل المخلوع صدام حسين على وجنتيه. والدخول معه في مفاوضات الحكم الذاتي . هذه المفاوضات التي باءت بالفشل، والتي لم يبقى منها سوى الصور التذكارية للاحتضان والتقبيل الحار للرئيسين الحاليين للرئيس والجلاد المخلوع.
تلك المفاوضات وبتلك التفاصيل الغريبة، وكأنه لم يكن هنالك شيء فعله الدكتاتور بالكرد يسترعي الأسف. تلك المفاوضات الفاشلة، من حيث المبدأ والأخلاق، فلا داعي للشرح والإسهاب فيها. فأقل ما يقال فيها وعنها بأنها: "طعنة غادرة في ظهر حلبجة. وخيانة لضحايا الأنفال". لكن، من حيث منطق السياسة، هي قمة الوعي السياسي والإحساس بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقيهما، المتلخِّصة في محاولة تجنيب الشعب الكردي مخاطر وأهوال حروب أخرى، هو بغنى عنها. وتقليل الفاتورة المادية والمعنوية لحرية الكرد وحل قضيتهم، قدر المستطاع.

كما أن علاقات الزعيم الكردي جلال الطالباني مع النظام السوري عريقة وقديمة، بدأت منذ أن أسس الطالباني اتحاده الوطني الكردستاني سنة 1975 في دمشق، في كنف وتحت رعاية ودراية النظام السوري. كما ان علاقات الطالباني مع كل من النظامين الإسلامي الإيراني والطوراني التركي، وحتى مع النظام العراقي البائد أيضاً، ليست بخافية على أحد. كما أن علاقات الزعيم الكردي مسعود البارزاني مع النظام الملالي في إيران والبعثي في سوريا والأتاتوركي في تركيا معروفة. وقد مهَّدت لهذه العلاقات أجواء التناقض التي كانت تخيم على المنطقة. كالتناقض الذي كان موجوداً بين البعثين السوري والعراقي، خاصة منذ بداية الحرب العراقية الإيرانية. والتناقض بين النظام السوري والنظام التركي. والحرب الدائرة بين النظام العراقي والإيراني. وبالتأكيد، فإن علاقات الزعيمين الكرديين العراقيين بالنظم الإقليمية كان لها ضريبتها، كون أن أصول إقامة أي نوع من العلاقات أو التحالفات السياسية بين جهات أو أحزاب أو نظم سياسية، خاضعة لقوانين العرض والطلب، كما في التجارة. ولكي تكون علاقات الحزبين الكرديين الرئيسين في كردستان العراق بالنظام السوري جيدة، كان ينبغي عليهما أن تغضَّ الطرف عن مظالم الشعب الكردي السوري. وأن تتجاهل وجود قضية كردية في سوريا. وأن لا تقدم أي نوع من دعم سياسي أو اقتصادي مباشر للحركة السياسية الكردية السورية. إلى درجة وصلت بالمام جلال الطالباني أنه كان يعتبر _في تصريحاته_ الكرد السوريين في سوريا "جالية" وليس شعب، حتى نهاية التسعينات. وفي هذا الراي، ليس فقط إنكار او تنكر لوجود كردستان سوريا، بل لوجود شعب كردي أيضاً. ولكي تكون علاقات الديمقراطي الكردستاني العراقي جيدة مع نظام الملالي الناشئ في إيران، فقد اضطرَّ لمحاربة الديمقراطي الكردستاني الإيراني إلى جانب الحرس الثوري. طبعاً في عهد الراحل إدريس البارزاني. وهنالك حتى الآن حوالي 600 عائلة كردية عراقية تأخذ رواتب من النظام الإيراني لأنها فقدت أولادها في حرب إيران ضد الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. وهؤلاء القتلى الذين يعتبرهم النظام الخميني شهداءاً للثورة الإسلامية، كانوا من بيشمركة الديمقراطي الكردستاني العراقي. كما أنه لكي تكون علاقة المام جلال والكاك مسعود جيدة ووطيدة مع النظام التركي، ينبغي عليهما أن يعاديا أوجلان وحركته. وقد نجح النظام التركي بأن جعل من حركة أوجلان صفقة رابحة، استدرجت الزعيمين إلى التعاطي مع حركة أوجلان كمناقصة سياسية، كان المام جلال الأوفر حظَّاً في كسبها لمرات عديدة، قياساً مع الكاك مسعود. نظراً للعروض السخية التي كان يقدمها المام جلال للأتراك. والجدير ذكره هنا أن المام الرئيس، كان بارعاً في استمالة أوجلان لجانبه، واستخدام حركته كراس حربة في صراعه مع الكاك الرئيس، في الأيام الخوالي التي لا يتمنى أحد أن تعود. كما كان للمام الرئيس دور في الوساطة بين أوجلان والرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال، والتي تكللت بتصفية الأخير على أيدي مراكز القوى الشوفينية الطوارنية النافذة في النظام التركي.


أوجلان والتحوّل نحو الديمقراطية.

ثمة نقطة، أظنُّ أنه من الأهمية ذكرها وطرحها للنقاش. وهذه النقطة تتمثل في: ترى لو لم يكن أوجلان متواجداً في سوريا، أين كان ينبغي عليه أن يكون؟ وللإجابة على هذا السؤال، ثمة ثلاثة فرضيات سنناقش كل واحدة منها على حدى.
الفرضية الأولى، في إحدى الدول الإقليمية الأخرى، العراق أو إيران. والفرضية الثانية، في أوروبا. والفرضية الثالثة، في جبال كردستان.

بخصوص الفرضية الأولى، فقد كان يتحتم على أوجلان أن يقايض تواجده لمزاولة نشاطه السياسي والعسكري، أن يقايض هذا التواجد بالتخلي أو الصمت عن حقوق الكرد الموجودين في تلك الدولتين، كما فعل الزعيمين الكرديين الطالباني والبارزاني في علاقتهما مع كل من إيران وسورية وتركيا. حيث لم يكونا يجرؤان بالتفوه ببنت شفة حول مطالبة حكومات تلك الدول بحل القضية الكردية فيها بشكل علني واضح لا يقبل اللبس والتأويل. والاكتفاء بالتعليق: أنه شأن داخلي. وبل حتى مواجهة بعض القوى الكردية في تلك البلدان. والتاريخ القريب زاخر بالأمثلة على ذلك.
بمعنى، كان يتحتم على أوجلان يقدم تنازلات للنظام العراقي أو الإيراني، ربما تفوق التنازلات التي قدمها للنظام السوري. حتى يتسنى له تأمين جبهة خلفية يرتكز عليها لتسيير أمور وأعمال ثورته العسكرية والسياسية عن بُعد، نوعاً ما. فأوجلان كان يعلم بأن النظام السوري لا يقدم له تلك الخدمات لسواد عينيه، أو حبَّاً للكرد، ونصرةً لقضيتهم العادلة. لكن الرجل كان أمام خيارين_أحلاهما مر_ إما أن يدخل في مواجه مبكرة غير متكافئة مع النظام السوري، كي ينال شهادة حسن سلوك قومي وطني سياسي من التيارات الكردية السورية وملحقاتها. وبالتالي، يضحي بالجبهة الخلفية الوحيدة لثورته. وإما أن يكون ليبرالياً فوق العادة في تعاطيه مع المظالم الكردية السورية، للحفاظ على استمرار وديمومة ثورته المتأججة التي كانت تقارع النظام التركي دفاعاً عن مظالم الشعب الكردي في تركيا.

أما بخصوص الفرضية الثانية المتمثلة في تواجد أوجلان في أوروبا. فحال الزعامات الكردية التي اتخذت من أوروبا ملاذا لها عقب انقلاب 12/9/1980 في تركيا. واضح للعيان، وليس بحاجة للشرح والتعليق. فحالة الضمور والانكماش والتقلص السياسي والجماهيري المزمنة والمستديمة التي تعانيها الأحزاب الكردية التركية التي اتخذت من أوروبا منتجعاً ومتنزَّها سياحياً يروِّح عنها ثقل وعناء ومشقَّة مشوار نضالها الطويل الصعب جداً الذي خاضته في معاركة ومقارعة النظام التركي سياسياً ودبلوماسياً، لا تحتاج لأي تعليق أو تحليل معمَّق!! مع الاحترام الشديد لكل التجارب السياسية الكردية، أيَّاً كانت، وأين كانت.
وإذا سأل سائل: ولماذا اتجه أوجلان لأوروبا بعد خروجه أو "إخرجه" من سوريا؟! وهذا السؤال مشروع، وفي محله. أعتقد أن أوجلان حاول وضع الكرة الكردية المشتعلة في حضن أوروبا، لعلها تقوم بدور لحل القضية الكردية التي هي _أي أوروبا_ المسؤولة التاريخية على بقاء الكرد فيما هم عليه، نتيجة اتفاقية لوزان من جهة، واستمرار دعمها المادي والمعنوي اللامحدود للنظام التركي. أو إبقاء أوروبا على حياد من النزاع الكردي التركي على أقل تقدير، من جهة أخرى.

وأعتقد أيضاً أن توجه أوجلان لأوروبا كان بداعي خلق ضجة وبلبلة عالمية حول القضية الكردية في تركيا وضرورة إيجاد حلول معقولة لها. وقد نجح أوجلان في خلق ذلك الضجيج والتأييد الكردي والعالمي الشعبي العارم لقضيته. لكنه، فشل في أن يفرض قضيته على أجندة المصالح السياسية والاقتصادية الأوروبية مع تركيا. هذه الأجندة الخاضعة لمنطق القوى والمصالح السياسية والاقتصادية المتبادلة التي تربطها بتركيا، فضلاً عن الاتفاقات الاستراتيجية العسكرية والاستخبارية المعقودة بينهم ضمن إطار حلف النيتو.

أما بخصوص الفرضية الثالثة، أي اتخاذ جبال كردستان ملاذا لتسير أمور الثورة، فمعروف للقاصي والداني بأن كل الحركات السياسية الكردية في تركيا كانت قد تلقت ضربة قوية على إثر انقلاب 12 أيلول 1980. ومن ضمن هذه الحركات، حركة الـpkk التي كانت بأمس الحاجة إلى ترتيب أوضاعها من جديد، غداة الانقلاب الفاشي. فإذا كانت وجهة أوجلان هي الجبال، فأنه بذلك قد حجَّم وعرَّض مشروعه الترتيبي الترميمي لحركته لمخاطر جمَّة. لأن السلطات التركية كان بإمكانها اعتقال أوجلان بمنتهى السهولة آنذاك. وبالتالي، تصبح حركته فريسة سهلة جداً للانقلاب العسكري، فتوأد حركة أوجلان وهي مازالت في مهدها. وإن لم يتعرض أوجلان للاعتقال، ففي أفضل الأحول، لكان زعيم حركة صغيرة محدودة التأثير والفاعلية. وليس كما هي عليه الآن كونها رقم كردستاني إقليمي صعب لا يمكن تجاهله أو تخطيه في الحسابات الكردستانية والإقليمية، وأعتقد مستقبلاً، الدولية أيضاً.

وفي حال توجه أوجلان إلى الجبال بعد خروجه من سوريا، لتسيير أمور الثورة من هناك. أعتقد ان أوجلان كان مصمماً على حل القضية الكردية بالطرق السلمية، حتى قبل اعتقاله. فلم يكن يود أن يصعِّد من الموقف والتوجه العسكري في حركته الرامي إلى الاستمرار في تبنِّي العنف والكفاح المسلح كأسلوب وحيد لحل القضية الكردية. وما أنا متأكد منه بأن تواجد أوجلان في الجبال كما من شأنه تشحين وتسخين الموقف العسكري الكردي والتركي في آن. مما يدفع الدولة التركية إلى وضع قوتها القصوى اعتماداً على دعم حلف النيتو والأمريكان والإسرائيليين لسحق حركة أوجلان أمام مرأى العالم. واظن بأن تركيا كانت قادرة على تحقيق ذلك، لعدة أسباب أهمها: التفاوت الكبير في موازين القوى بين الطرفين لصالح تركيا. ولأن حركة اوجلان كانت أضعف من أن تستطيع حماية أوجلان لفترة طويلة نسبياً، أمام الهجمة الإقليمية الدولية الشرسة عليها.
فبذهاب أوجلان للجبال كانت إمكانية تعرض حركته للتصفية وتعرضه للقتل أو الاعتقال أكثر ترجيحاً. وبالتالي، كانت ستطوى صفحة أخرى من النضال التحرري الكردي في تركيا. وما سيخلقه هذا الطوي من حالة هزيمة نفسية فكرية عميقة في الذات الكردية. فيضاف رقم لقائمة الثورات والانتفاضات الكردية الفاشلة. ويتحول أوجلان من قائد أيديولوجي وسياسي يخلق حراكاً نضالياً جماهيرياً منقطع النظير، إلى رمز معنوي تحاك حوله القصص، ويذكر في الأغاني الشعبية الكردية الحزينة المأساوية التي يرددها الكرد الآن عن الشيخ سعيد وسيد رضا. أما القضية الكردية، فتبقى على حالها، ويُرفع التداول حول حلها لأجل غير مسمَّى، ريثما تأتي ظروف دولية، وقيادة كردية جديدة تكون أكثر كفاءة من أوجلان.

اظنُّ بأن أوجلان، وأثناء خروج طائرته من الأجواء السورية، كان يعلم بأن نهاية المطاف سيكون في أنقرا. فتحوّله نحو الديمقراطية بشكل دراماتيكي، بعد أن جسَّ نبض الأوروبيين الذين خذلوه وانتهكوا مواثيقهم وقوانينهم تحت ضغط الأمريكان والمصالح مع تركيا. وبعد أن جسَّ نبض الدول الإقليمية والقوى الكردستانية التي لا ولن تستطيع الدفاع عنه، فقرر الاتجاه نحو الديمقراطية. والتخلي عن مفهوم الدولة القومية لصالح الدولة الوطنية الديمقراطية. بعد ان أدرك بأن الديمقراطية هي الشكل الأمثل والأكثر نجاعة لحل القضية الكردية في الشرق الأوسط. وإن الديمقراطية باتت بمثابة حتمية حضارية، تسير البشرية نحوها. ولو بقي أوجلان على توجهه التقليدي لحل القضية الكردية بعدم تخليه عن المطالبة بالدولة القومية، وبالطرق العنفية المسلحة التي اعتمدتها حركته، لأدخل تركيا وكردستانها في معمعة ودوامة عنف كبيرة، الخاسر الأكبر فيها هم الكرد وحركة أوجلان. كون تركيا تحظى بدعم لا متناهي. وكون حركة أوجلان تتعرض لهجمة إقليمية دولية لا متناهية رامية إلى تصفيتها. وبالتالي، إن النظر لتجربة أوجلان قبل وبعد اعتقاله لا ينبغي أن تكون من زاوية محض أخلاقية. دون أن ننسى بأن هنالك نقاط عديدة مسجَّلة على توجُّه أوجلان نحو الديمقراطية والدولة الوطنية، بدلاً من الانفصال والدولة القومية. ينبغي أن تُناقش ضمن دائرة النقد الموضوعي.


محنة العقل في احتدام الجهل

في محاولة متواضعة منِّي لفتح دائرة حوار مع الأستاذ نزار آغري حول موضوعة غاية في الأهمية والحساسية على الصعيدين السياسي والثقافي الكرديين، والمتمثلة في تجربة حزب العمل الكردستاني pkk، على خلفية ما أثاره آغري في مقال له تحت عنوان "ميراث عبد الله أوجلان". لكن الأستاذ الآغري _ وعلاما يبدوا_ نأى بنفسه عن الدخول معي ضمن هذه الدائرة بعدم الإجابة عن العشرات من الأسئلة حول ما آثاره. واكتفى بالرد على البعض منها. وعلاما يبدو أيضاً، إن هذه الردود بيني وبين آغري _وعلى الرغم من كونها لم تكن بالمستوى المطلوب_ لكنها خلقت جوَّا من التفاعل القرائي التتابعي لدى المتلقي. وأظن بأن السيد آغري لا يختلف معي في هذه النقطة، كون هذا السجال قد أضاف لآفاق كردستان نفساً آخر، بحضورٍ حر للآخر. بمعنى، حضور هوشنك أوسي الذي يعتبر الآخر بالنسبة لآغري، وبالعكس. كما أظن أن آغري لا يختلف معي بأن هذا السجال قد خلق متعة لدى المتلقي، فضلاً عن إضافته الفائدة له، نظراً لم احتواه من معلومة وقيمة، ربما ترتقي بوعي المتلقي، أو تساهم في تنميته، على أقل تقدير.

وبالتأكيد، إن هنالك مستويات متفاوتة أو متباينة للقراءة لدى المتلقي في تعاطيه مع أي فكرة أو سجال يستحق المتابعة. فعلى الصعيد الشخصي، لقد تلقيت عشرات الهواتف والرسائل الإلكترونية، من داخل وخارج سوريا، تثني على ما أبديته من رأي، من حيث أسلوب الطرح والمعالجة، وتقنية الكتابة...الخ. ومن الأهمية بمكان ذكره هنا، هو أن الغالبية العظمى التي تفاعلت مع ما أثرته وأبديته من رد على آغري، قد كانوا بعيدين كل البعد عن حركة أوجلان. ولم يقضوا يوماً واحداً ضمن صفوفها. وأن هذه الاتصالات والرسائل آتية من أسماء هامة، وهامة جداً في الحقل الثقافي الكردي السوري. أسماء لها حضورها ووقعها الملفت. ولا أخفي القارئ العزيز أن بعض من هذا التفاعل والتواصل معي وإبداء الشكر لي، والثناء على ما كتبت وأكتب، كان ينطوي على مدح وإطراء قد لا استحقه. لأنني قمتُ بدوري وواجبي المنوط بي، كوني أزعم بأنني أحد المثقفين الكرد المعنيين بالبحث عن الحقيقة، ومحاولة جعلها في متناول الجميع. كما لا أخفي بأن هذا التفاعل مع السجال قد خلق لي صداقات جديدة وهامة، مع كتَّاب كرد مهمين، أعتز بصداقتهم، ولم أكن اعرفهم من قبل، مع الأسف.

ولعل أهم ما لفت انتباهي وأثار إعجابي مِن مجموع مَن كتبوا لي أو تبادلوا معي الرأي حول ما دار من سجال، هو رأي الأستاذ صبحي درويش. وهو كاتب وباحث ومترجم كردي سوري مغترب منذ 25 عاماً في فرنسا. وكان يكتب في بداياته باللغة العربية. وحالياً يكتب بالفرنسية والإنكليزية في الصحافة الأوروبية. وقد تبادلنا على الأنترنيت "المسنجر" الكثير من الآراء حول هذا الموضوع، اقتطف منها هذه المقاطع، لم لها من أهمية وإنصاف في تحليل وتشخيص العقل والوعي الكردي. سأورد المقاطع حرفياً، مع إضافة بعض علامات الترقيم.

{: إن بين الجهل والجور والتخلف تلازماً عضوياً. فهو ثالوث مترابط يخنق عقل المجتمع، ويلغي فردية الإنسان، ويوقف حركة التاريخ، ويعطل مسيرة الحضارة. فمع استمرار جهل المجتمع بما له وما عليه، يحصل الجور، ومع الجور، تسوء الأخلاق، وتتدهور الضمائر، ويتفاقم الجهل. وباجتماع الجهل والجور وسوء الأخلاق وفساد الضمائر، تسود الأنانية الشرسة، ويتوطد التخلف. وباستحكام هذه الشبكة من الآفات والمعوقات وتبادل التغذية بين أطرافها، تتوالد عناصر الانحطاط، وتترسّخ أركان الإفلاس الحضاري، فتنسد الآفاق، وتنغلق العقول، ويشتد التعصب، ويسود الاجترار، ويختفي الإبداع، ويتوجّس الناس من أي طارئ في الأفكار والأذواق والممارسات، ويحتمون بما ألفوه، ويبالغون في تعظيم الأشخاص الثقات، وينقلب التقدير إلى تقديس. وبذلك يستحكم الانغلاق، ويتوقف النمو وتبدأ مرحلة الجفاف والتيبّس.

Soubhi says:
إن المبالغة في تعظيم المتميزين من الأشخاص، هي أغزر منابع الجهل والظلم والتخلف. إنها إخطبوط يغتال العقول، ويكثّف الأوهام، ويحجب الحقائق، ويفسد الأذواق، ويخرّب قدرات التقييم، ويحيل الناس إلى إمَّعات مأسورين لأقوال فرد أو بضعة أفراد ممن كان لهم حظ من الذيوع والشهرة. خاصة، إذا كان هؤلاء من الأموات الذين توارثت الأجيال تعظيمهم، وتشبَّعت بكيل الثناء الغامر لهم، وأحاطهم البعد الزماني بهالات التبجيل والتفخيم، وجعلهم فوق مستوى المراجعة أو النقد أو التدارك...

Soubhi says:
لو استطاع كل إنسان أن يتحسَّس نقائصه وعيوبه، وأن يفطن لمواطن النقص في تفكيره وسلوكه، وأن يدرك أن اتجاهاته وميوله وقيمه مرتهنة بما امتصَّه عقله ووجدانه من بيئته، قبل اشتداد وعيه، وأن يعرف أن أحكامه وآراءه ومواقفه تتلوَّن بتلوّن عواطفه، وأن نصيب التعقل من كل ذلك هو نصيب ضئيل.. لو أدرك كل ذلك أو بعضه، لربما أعاد النظر في الكثير مما هو مستقر في ذهنه، وأنهى الكثير من مشاكله مع نفسه ومع غيره. ولتخلى عن الكثير من اتجاهاته وميوله وقيمه. وأوصد كل ما يستطيع إيصاده من منابع الجهل والجور في نفسه. وتحرى الدقَّة والموضوعية والعدل في أحكامه وآرائه ومواقفه. ولأصبح أكثر تواضعاً، وأقل انفعالاً وأكثر تسامحاً وأشد إحساساً بحقوق الآخرين.

Soubhi says:
لو عرف الإنسان نوافصه وعيوبه وأنانيته وأوهامه وهيمنة الغرائز والأهواء والانفعالات والبرمجة الاجتماعية عليه هي أبرز خصاله. وإن شعوره بهذا كله واستعداده بأن يبذل الجهد لتجاوزه هما حافز تقدُّمه، وباعث نمائه. وكلما توهَّم الإنسان ببلوغَ اكتماله، شعر بالاكتفاء، فتوقف عن جهد التجاوز. وبذلك يبدأ مرحلة الانحدار التي تنتهي به إلى الجهل والجور والتعصب والضيق بآراء الآخرين. والعجز عن الرشد....}

أولاً، أعتذر من الأستاذ درويش، إن كانت هنالك ثمة كلمة، ربما تكون قد سقطت سهواً. وثانياً، أود أن أبدي إعجابي بهذا الرأي الصريح الذي أتفق معه مئة بالألف. هذا التشخيص العقلاني المعتدل الهادئ الذي وازن بين طرفي المعادلة بشكل حيادي وموضوعي. من حيث إشارته إلى الحديِّة والتزمُّت والواضحين لدى بعض الذين يزعمون بأنهم "نقَّاد" وأصحاب رأي موضوعي، في وقتِ، هم أبعد ما يكونون عن الدقة والموضوعية والعدالة والأمانة في طرح آرارئهم حول تجربة أوجلان. كما سلَّط الأضواء على حالة تضخيم وتفخيم وتعظيم وتقديس الذات القائدة، المستشرية في الحراك السياسي الكردستاني عموماً، وفي تجربة حركة أوجلان خصوصاً. ولعل هذه هي أهم النقاط التي أختلف فيها مع حركة أوجلان التي أؤيّدها في نقاط كثيرة أخرى. وبالتأكيد، فإن هذه الظاهرة لم تأت بها حركة أوجلان أو تنفرد بها. بل هي ذات خلفيات تاريخية موغلة في القِدم. هذه الظاهرة السلبية الفاعلة ضمن أوساط كبيرة من حركة أوجلان، هي في الوقت عينه، ظلمٌ لأوجلان. هذه الظاهرة ونقيضها من مدَّعي النقد وحرية التعبير الذي يهاجمون حركة أوجلان، بقدحٍ وذمٍّ مغرق في الإسفاف والتشويه والتشهير والبذاءة، كلاهما يشتركان في ظلم أوجلان باعتقادي. فالطرف المؤيد، يرى في أوجلان "رحمن رحيم، والقائد المنزَّه عن الخطأ...الخ". والطرف الآخر _اي المعارض_ يرى في أوجلان "شيطان رجيم. وبليد ومجنون ومتهور وخائن...الخ". لا علاقة له بالقيادة والسياسة. فكلا الرأيين أو التعاطيين مع السيد عبد الله أوجلان، لا يمتَّان بالعقل بشيء. كلاهما، تعبير واضح عن انفعال حاد متوتر متطرف، خاضع لأحكام العاطفة، وغير صادرة عن وعي مدرك لم للمجتمع وما عليه. كما أشار الأستاذ درويش في معرض رأيه.

أعتقد بأن إجراء أي مراجعة نقدية أو تقييم نقدي لظاهرة سياسية عسكرية اجتماعية اقتصادية ثقافية تربوية كردستانية بحجم تجربة الـpkk، دون النظر في الخلفيات التاريخية والأيديولوجية والسسيولوجية والسيكولوجية، ودون التطرق للمقاييس ومنطق السياسة والمعطى التاريخي، والاكتفاء فقط بالاعتماد على المعايير الأخلاقية والثوابت القيمية في ذلك، ما هو فعل عاطفي لا ينتج قيمة معرفية تحفِّز الفكر، وتنمِّي الوعي، وتنشِّط العقل. على العكس من ذلك، فإن هذا الفعل يعمِّق الجهل، ويشلُّ التفكير، ويغذِّي الوهم. وبالتالي، فإنه يوسِّع الهوَّة بين الإنسان والحقيقة. لأن هذا الفعل، قائم على الانفعال والارتجال غير المستند لبنى فكرية قادرة على إجراء محاكمات عقلية، بغية إيجاد حلول عقلانية لقضايا فكرية.
غنيٌّ عن التعريف بأن السياسة هي عالم المتغيرات، لا ثابت فيها إلا المصالح، كما يقول تشرشل: "لا توجد في السياسة صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة. إنما الموجود هي المصالح الدائمة.". فيكف لنا ان نقيّم السياسة المتأرجحة وفق منطق المصالح ورياحها، بمعايير أخلاقية قيمية ثابتة؟! فالتقييم الأخلاقي لفعل سياسي فردي أو جماعي، يُوقعنا في مطب إطلاق أحكام عاطفية انفعالية، غالبا ما تكون مزاجية مثالية يوتوبية على ظاهرة خاصيَّتها الأهم هي التحوّل والتغيُّر والتأرجح وفق منطق المصالح والغايات، بقطع النظر عن مدى ما تحمله هذه الغايات من قيم ومثل ومبادئ نبيلة. وأتمنى أن لا يفهمنَّ منِّي أحد بأنني اعتمد المعيار "المكيا فللي" في التعاطي مع الظواهر السياسية. وكيف ينبغي للمثقف الكردي أن يشرعن اللا شرعي في المسلك السياسي الكردي، كما كان "مكيا فللي" يشرعن لآل ميديتشي الحاكمين في فلورنسا، لا قطعا. بل هي محاولة لرؤية وجهيّ الظاهرة _السلبي والإيجابي_ بشكل يتحرَّى الدقة والعدالة ويتوخَّى الموضوعية والعقلانية. كما أشار الأستاذ درويش.

والمؤسِف له، إن بعض الذين حاولوا الإدلاء بدلوهم فيما جرى بيني وبين السيد آغري قد انحرفوا عن جادة الحوار، فضلاً عن وجودهم خارج دائرة الفعل العقلي النقدي العلمي المنهجي الموضوعي، البعيد كل البعد عن مظاهر الانطباع والانفعال والافتعال والارتجال العاطفي.
فإحدى تلك المداخلات طالبتني بالتخلِّي عن قناعاتي والتبرُّؤ منها، دون أن يبذل معي صاحبها أي جهد حواري فكري عقلاني يفضي إلى ما يود أن يكون عليه هوشنك، لا كما هو كائن. هذا إن كانت لديه الإمكانية في القيام بذلك؟! بمعنى، ينبغي عليَّ أن أوافقه وأطابقه الرأي، حتى يحاورني!! ويتهمني حضرة المداخل، بأنني أشرعن القتل والإرهاب السياسي. وبالتالي، فأنا قاتل وإرهابي...!! فكيف لي أن أحاور أو أجادل أو أناقش مع من يتهمني بالقتل والإرهاب بشكل مجَّاني؟!! ثم يذكر حضرة "السياسي والمثقف" المداخل: "بأنه يُقدِّس الملا البارزاني. لكن هذا لا يعني أنه _أي الملا_ فوق النقد"..!!! هل يعي السيد "المداخل" فحوى ومدلول ومغزى كلمة "المقدَّس أو التقديس" ومدى تناقضها، كونها ذات عمق ديني عقائدي إيماني جامد، مع فعل النقد الحيوي العقلي العلمي المتحرك؟ كيف لنا أن نُقدِّس الشيء وننتقده في آن؟! أعتقد بأنه ليس هنالك ثمة أدنى علاقة بين التقديس والنقد. على حد علمي المتواضع بأنه إذا أردنا أن ننتقد ظاهرة دينية أو معطى ديني " آلهة، كتب، رجال...الخ"، ينبغي أول الأمر إزالة أو إزاحة الصفة التقديسية أو المقدسة عنها. حتى يتمكن العقل من الحركة بحرية خارج دوائر الخوف والجمود الذي يفرضه التقديس على التفكير. يعني، كيف لرجل الدين الذي يقدس الله، أن ينتقد الله، أو يضعه ضمن دائرة النقاش والنقد!! فأن تضفي صفة التقديس الثابتة على ظاهرة أو فكرة سياسية متغيرة، فإنك قد نزَّهتها وعصمتها عن ارتكاب الخطأ. وبالتالي، فمع انتفاء إمكانية وجود الخطأ، تنتفي إمكانية وجود النقد كفعل عقلي تقييمي تقويمي لهذه الظاهرة أو الفكرة المقدسة المراد نقدها.
كما ذكر مداخل ثاني عنَّي بما معناه، بأنني تلقيت ضربة قاضية أفقدتني صوابي. كما نعتني بالمنفاخ أو البالون، ونعت نفسه بالإبرة التي فجرتني..؟!! كما حاول نفي الانتقائية عن نفسه قائلاً: "أنه لا يمارس الانتقائية ولا بطيخ". كما حاول المقارنة بين جمهور "شاكيرا، جاكسون، وهبي" وجمهور أوجلان، ذاكراً بأن جمهور الأولين يفوق جمهور الأخير. وربما يعلم أو لا يعلم السيد إبرة بأن في هذه المقاربة الكثير من الإهانة والدونية الباذخة في التعاطي مع الجمهور بشكل عام والكردي بشكل خاص. الجمهور الذي يصنع القادة والنظم والمثقفين والفنانين...الخ. الجمهور الذي أسقط حكومة كرامي وأطاح بأكايف ومن قبله يونوكوفيتش وشيفردنادزه. الجمهور الذي أوصل المام جلال لسدة رئاسة العراق. هذه الجماهير لا تختلف عن الجمهور الذي يحيط بأوجلان ويمنحه مصداقيته ومشروعيته كزعيم ومناضل كردي. وما أنا واثق منه بأن الجمهور الذي خاض مع أوجلان أكثر من 15 عام من الحرب الطاحنة الضروس، هو ذاته الذي سيخرج أوجلان من معتقله، ويعيده إلى مكانه الطبيعي بين جماهيره. وطبعاً أنا لا أقلل من احترام وأهمية أي جمهور لأي فنان كردي أو عالمي. لكنني أستغرب كثيراً من المقاربة المضحكة المؤسفة بين جمهور أوجلان وجمهور شاكيرا وجاكسون، للاختلاف الكبير والكبير جداً والفارق الهائل بين فعل ودور وواقع الجمهورَين.
فهذه المفردات "النقدية العلمية الجادة" كـ "الإبرة، المنفاخ، الضربة القاضية، الملاكمة، الحلبة، البطيخ...الخ"، ما هي إلا أدلَّة ساطعة ودامغة على السعة المعرفية الموسوعية الهائلة، ومدى الوعي النقدي العالي الذي يتمتع به السيد "إبرة". فأن يكون الحوار او السجال حلبة لصراع فكري، فهذه المسألة لا غبار أو خلاف او اختلاف عليها. وأما أن يكون الحوار أو السجال حلبة للمصارعة أو الملاكمة؟!، فليعذرني السيد "إبرة" عن خوضها. لأنه لا طاقتي لي بمصارعته أو صرعه، كوني لا أمتلك أدنى خبرة في فنون الملاكمة وتوجيه الضربات القاضية التي تؤهِّلني لأكون ندَّاً له، ولمن في "رهطه". فعلى السيد إبرة أن لا ينتظر مجيئي لحلبته بفارغ الصبر، لأنني لن أأتي. كي لا يفقد صبره، ويأتِنا بفارغ الكلام الذي على شاكلة "الإبرة والمنفاخ".

والذي أود ذكره هنا بأنني مضطرٌّ أمام السيد إبرة ومن في رهطه، أنا مضطرٌّ لأن أخرس خالص، لسببين اثنين لا ثالث لهما: الأولى، خير الردود في هذه الحالة، هو الصمت. والثاني، فهو التزام وتأكيد لمقولة علي بن أبي طالب: ما ناقشت عالماً إلا وغلبته، أو" كنت ندَّاً له". ما ناقشت "......" وإلا غلبني.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: من أي باب من أبواب النقد، أو ضمن أي فصل من فصوله، يمكن لنا وللسيد آغري أن نصنِّف هذه الآراء الفذَّة الانفعالية الاحتدامية الثاقبة، التي أدخلها السيد آغري فسيح آفاق كردستانه، بعد أن قام بترجمة بعضها؟

مع تواجد هذه النماذج _وبكثرة_ في الساحة الثقافية الكردية على أنهم نقَّاد وساسة كرد يقودنا لنتيجة مفادها، إن الوعي السياسي والثقافي الكردي السوري مازال في مراحله الطفولية الدنيا، ولم يرتقِ بعد لمستوى النضوج المرجو منه الذي يكسبه صفة ودور النخبة. فأعتقد أن مفهوم المثقف والنخبة الواسع التداول والانتشار في الأوساط الكردية، حتى بات يستخدم كمسلَّمة بديهية لا خلاف على وجودها. أعتقد بأن هذا المفهوم ينبغي إخضاعه للمساءلة وإعادة النظر فيه ومراجعته بشكل متأنٍّ هادئ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ثمة وجود حالة عطالة في التفكير التي منشؤها قصور في العقل، الناجم عن سلطة وسطوة العاطفة الواضحة على آليات استخلاص النتائج وإصدار الأحكام "اللاعقلانية" أثناء تحليل أو مناقشة موضوعة عقلية. فالوعي الطفولي غير الناضج الفاقد لصفة ودور النخبة. وتقاطعه مع وجود عطالة فكرية، الذي مردُّه العقل القاصر عن التحرر من سلطة وسطوة العاطفة المتحكمة بآليات عمله ونشاطه. في هذا الإطار، فإن أي حكم على أي ظاهرة اجتماعية سياسية اقتصادية ثقافية_بالضرورة_ لن يكون عقلانياً منصفاً عادلاً يتوخى الوصول للحقيقة.

وعلى ضوء ما تقدم، حاولت أن أكسر هذين الطوقين الفولاذيين الذين يفرضانه المؤيدون والمعارضون لحركة أوجلان على تجربة حركة أوجلان. هذان الطوقان المتمثلان بالقداسة والمعصومية التي يضفيها المؤيدون على هذه التجربة. والطوق الثاني المتمثل بصفة الخيانة والعمالة والإرهاب والاستسلام التي يضفيها المعارضون لهذه التجربة عليها.
لقد حاولت كسر هذين الطوقين من موقعي كمؤيد لتجربة حركة أوجلان، وذلك من خلال كتابة مقال متواضع بعنوان "حزب العمال الكردستاني...رؤية نقدية؟" من جهة. ومن جهة أخرى دخلت مع أكثر المعارضين لتجربة حركة أوجلان المتمثل بنزار آغري، بدخولي معه في حوار او سجال، علَّه يتزحزح عن آرائه الفولاذية الأزلية التي كوَّنها عن تجربة أوجلان، مذ بدأ كتابة أول سطر. حسب ما ذكر آغري.

حاولت أن أخبر السادة المعارضين والمناوئين لهذه التجربة بأنه ثمة أناس من بين مؤيدي حركة أوجلان، من يجيد فن التفكير. وليسوا _كما تظنون أو تروجون له_ بأنهم قطعان من المريدين المجذوبين الذي لا حول لهم ولا قوة إلا بإذن القائد. واعتقد أنني نجحت_إلى حدٍّ ما_ في أن أوصل هذه الفكرة لآغري ولغيره.
وإتماماً لم بدأت به من نقد لتجربة pkk وللتعاطي السلبي لها من قبل المعارضين لها، أطلقت دعوتي للحوار هذه. هذه الدعوة الموجَّهة لكل من يعرف في قرارة نفسه بأنها موجَّهة له، سواء أكان مؤدياً أو معارضاً لهذه التجربة. وبالتالي، فهذه الدعوة غير موجهة للذين لا يودُّون تغيير زاوية الرؤية التي ينظرون من خلالها لهذه التجربة، كي لا تتغير رؤاهم المزمنة المستديمة عنها وعليها وحولها. هذه الرؤى التي توضَّحت في مداخلاتها الآنفة الذكر أعلاه. فيرجى منها عدم التطفل والتنحي جانباً، في المدى القصير، على الأقل. كي يبقى الحوار بمنأى عن الدوران في حلقة مفرغة. وذلك، بتكرار تلك النماذج لِمَ قيل، ولِمَ سيقال.

فالدعوة مفتوحة أمام كل مؤيدي حركة أوجلان من المعنيين بالشأن الثقافي والإعلامي، ولكل الذي يتعاطون أو يتواصلون مع هذه الحركة _بشكل أو بآخر_ ولكل معارضيها العقلانيين الذين هاجسهم الوحيد هو النقد البنَّاء الذي من شانه الارتقاء بالفعل السياسي الكردي عموماً، عبر تقييمه وتصويبه بشكل هادئ بعيد عن المزايدة والمهاترة المجانية التي لا طائل منها.

وكتمهيد بسيط للبدء في هذا الحوار، أود طرح النقاط التالية، كمدخل أو بداية، قد يتفرع عنها مداخل أو نقاط أخرى:
إلا يمكننا اعتبار تجربة حزب العمال الكردستاني محطة نضالية هامة_لها ما لها. وعليها ما عليها_ في التاريخ الكردي المعاصر. ولماذا؟
ألا يمكننا اعتبار السيد عبد الله أوجلان مناضل وزعيم كردي مهم في تاريخ حركة التحرر الوطني الكردستاني المعاصرة. ولماذا؟
هل من الصواب أن نصف هذه التجربة بأنها سلبية بالمطلق أو إيجابية بالمطلق. ولماذا؟
في ماذا نجحت هذه الحركة. وفي ماذا أخفقت. ولماذا؟
هل يُمكننا مناقشة أي تتطور يجري على طريق حل القضية الكردية في أي جز من كردستان، بمعزل عن دور لـpkk فيه. ولماذا؟
ألا يمكن اعتبار حركة السيد أوجلان بأنها قد خلقت تغييرات نوعية في بنية المجتمع الكردستاني عموماً، والكردي التركي خصوصاً. ولماذا؟
ألا توجد أي إنجازات قومية سياسية اجتماعية ثقافية إعلامية حققتها تجربة الـpkk على مدى تاريخها الذي مازال مستمرَّاً. ولماذا؟
ترى لو كان أحد الزعيمين الكرديين الطالباني أو البارزاني معتقلاً _لا سمح الله_ بدلاً من أوجلان. أو مثل أوجلان، أليس من المهم والضروري أن يكون التفاعل الجماهيري السياسي والثقافي والإعلامي في أوج وأرقى مظاهره ديمومةً واتساعاً؟ ولماذا؟ وهل ترك عبد أوجلان وحيداً في سجنه، وعدم التواصل معه جماهيرياً وسياسياً وثقافياً وإعلامياً، والسخرية منه أو التشفِّي فيه من شأنه حل القضية الكردية؟ ولماذا؟

وأعتقد بأن نجاحنا في تفعيل هذا الحوار من شأنه أن يفتح الباب أمامنا لمناقشة ملفات أخرى ساخنة، طال انتظار مناقشتها. بالإضافة إلى الخوض في مناقشة تجارب كردستانية أخرى. كتجربتي الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني، دون مواربة أو تحفُّظ أو انتقائية.
وما أنا متأكد منه بأن هذا الحوار سيكون له دور لا بأس به في محاولة تأسيس وعي نقدي قادر على بلورة فكر سياسي ناقد يرصد مدى قدرة العقل الكردي من الخروج من محنته، وممارسته للفعل السياسي بنضوج وحيوية أكثر. دون أن ننسى قول رائد العقلانية الفرنسية رينيه ديكارت : {إن أعظم العقول، على الرغم من أنها قادرة على الوصول إلى أعلى مراتب التفوق، هي معرضة مثل غيرها من العقول للوقوع في أعظم الأخطاء. وأولئك الذين يسافرون ببطء شديد قد يستطيعون إحراز تقدم يفوق أمثالهم بكثير. بشرط أن يلتزموا الطريق السوي، ولا يحيدوا عنه. على عكس الذين قد يتخلون عنه، أو ينبذونه أثناء جريهم.}

ولم يعُد للحديث بقيَّة إلا عندكم أيها السادة.
www.amude.com/afaq
 copyright © 2004 amude.com [ info@amude.com ]