رئيس التحرير: نزار آغري
آفاق كردستان - نافذة مفتوحة على السؤال
 
12.04.2005 - 10:53 [ قرأت هذه المادة 1839 مرة ] [ طباعة ]
----------------------------------------------------------------------------------

المثقف الكردي..... سلطة الثقافة أم ثقافة السلطة؟

يوسف شيخو

لا شك أنه لا المثقف الكردي (و أحدد هنا المثقف الكردي في سوريا) و لا السلطة الكردية قد أتما دورتهما للوصول إلى الكمال, أقصد الكمال المعرفي بالنسبة للكائن المسمى في أحيان كثيرة تجاوزاً بالمثقف, و كمال امتلاك أدوات الربط و الضبط لدى القوى التي يمكن أن نسميها سلطات كردية. و سننطلق نحن في هذا المقال من قاعدة (حسن الظن) فنعتبر الكتاب الكرد من شعراء و قصاصين و كتاب رواية و كتاب زوايا صحفية....إلخ مثقفين فاعلين, و كذلك سنعتبر الأحزاب الكردية بكل هزالها و شيخوختها و غيبوبتها و جبروت و إرهاب بعضها فضاءات تتكثف فيها السلطة الكردية بكافة صورها!

دور المثقف و صفاته:

بعيداً عن أطر الواقعية الإشتراكية التي عفى على بعضها الزمن, نقول إن المثقف لا بد و أن يلعب دوراً ما في المجتمع لامتلاكه مفاتيح فهم أرقى لما يدور حوله و بالتالي بوسعه إعادة إنتاج هذا الواقع في فضاء معرفي شفاف يمكنه بالتالي رسم صورة مغايرة بل و تغيير لنمط العيش و التفكير و سائر النشاطات الإنسانية حيوية كانت أم معرفية. فلننظر إلى مثقفينا و ما ينتجونه على الصعيد المعرفي.

من خلال متابعتنا لحركة كثير من المثقفين وجدنا أن الغالبية العظمى منهم تتصف بخصال مشتركة من أهمها:

1)التزام الصمت: لعل المثقفين الكرد أشد المثقفين التزاماً بالصمت في العالم, فهم مستعدون لقرع طبول الحرب على كل من يتناول نتاجاً من نتاجاتهم بالنقد سواء كان هذا النقد مصيباً أم لا , و هم مستعدون لخوض غمار حروب دونكيشوتية للدفاع عن شرف الثقافة المثلوم و تجنيد كل الطاقات و الإمكانيات المتاحة و غير المتاحة للترويج لنتاج ما من نتاجاتهم الأدبية أو في سبيل إقامة معرض لهم أو أمسية شعرية أو تدبير لقاء تلفزيوني في محطات (الغنم السعيد في آخر الليل) أما إذا تعلق الأمر بالقضايا المصيرية و الحيوية للأمة فتراهم يقلبون شفاههم علامة على تفاهة الموضوع و ربما قال أحدهم: سواء تكلمنا أم سكتنا فالأمر سيان!
يجب على هؤلاء المثقفين أن يتذكروا الأسطورة التي تحكي عن أذني الملك الطويلتين اللتين اكتشف حلاق الملك طولهما و لم يقدر على البوح بالسر خوفاً من القتل و لما لم يستطع الاحتفاظ بالسر ذهب إلى نهر و صرخ في القصب قائلاً: أذنا الملك طويلتان!! و تقول الأسطورة إن القصب أفشى السر, فهل نكون أقل جرأة من القصب! كذلك نحيل المثقفين إلى قصة ثياب الامبراطور الشهيرة و الطفل الذي قال الحقيقة و أعلن أن الملك لا يرتدي شيئاً من الثياب!
إن سكوت المثقف الكردي عن جرائم السياسي الكردي جريمة سيدونها التاريخ و سيلعن الأحفاد أجدادهم الذين دشنوا بصمتهم عصر الاستبداد الكردي و تخاذل المثقف و خنوعه و سعيه وراء المصالح الشخصية.

2)الجبن: المثقف الكردي جبان ينتمي لفصيلة الأرانب البرية إلا فيما ندر وقد يستطيع المرء تفسير خوفه من سلطات الدولة, أما خوفه من سلطات الأحزاب و مريديها فذلك مما يثير الحيرة. لقد سكت المثقفون الكرد مثلاً عن تعيين السيد جمال نجل الشيخ باقي خلفاً لوالده في استلام المشيخة الحزبية أو المضافة القومية, و لم يلتفت أحد إلى ذلك لا نقداً و لا فضحاً لهذا السلوك المقرف في (تداول السلطة الحزبية) و كذلك فإن تربع الآلهة الخالدين أمثال السيدين حميد حج درويش و صلاح بدر الدين على عرش حزبيهما منذ أن بدأ الله بخلق الأكوان من العماء, لم يكن مثيراً لنقاشات حامية و نقد بناء و فاعل من قبل مثقفينا الذين كانوا مشغولين بمعرفة الأسرار الشخصية لخصومهم من الكتاب و من تجرأ على النقد بادر المريدون إلى تشهير الناقد و إخراجه من الملة بتهمة العمالة و التخريب و الخيانة الوطنية و الارتباط المشبوه و الارتزاق......إلخ

3) الارتزاق: هناك مثقفون مشهود لهم وزنهم الإبداعي على الأقل و لكنك تراهم صامتين خشية أن تطير امتيازاتهم و أكثر ما نشاهد هذه الفئة في أوروبا خاصة بين المثقفين المرتبطين بمؤسسات حزب العمال الكردستاني من مثل القنوات التلفزيونية أو جمعيات و معاهد ليس لها أي قيمة فعلية, فهناك مثلاً رئيس تحرير الجريدة الفلاني و مدير المعهد الفلاني و مقدم البرنامج الفلاني, لا يمكن لهم مطلقاً أن يتجرؤوا على توجيه نقد و لو من طرف اللسان كما يقال إلى التوجهات الجديدة للشيخ عبد الله أوجلان زاعمين أن هذا الأمر خارج عن نطاق اهتماماتهم التي ترقى صاعدة إلى مجد أبدي و تقديم شعر جزل بنكهة رماد الفينيق في الأفق. و هنا ما الفرق بين هؤلاء و مثقفي السلطة في أي بلد ديكتاتوري!!

يمكنني هنا أن أقدم نموذجين تاريخيين للمثقف الكردي أحدهما الشاعر الكردي الكبير ملاي جزري و الآخر هو الشاعر الكبير أحمد خاني.

يمثل جزري قمة من قمم الشعر الكردي و هو بلا شك يمتلك عبقرية نادرة و قد أكملت القصيدة الكردية في عصره و على يديه دورتها فجاءت كاملة البنيان لا تختلف عن مثيلاتها العربية و الفارسية و العثمانية في شيء, و لكن كيف تعامل الجزري مع السلطة و هي كردية حتماً؟! إننا نجد أن الجزري نرجسي إلى حد التخمة و هو يعتبر نفسة أكبر مستوى من كثير من شعراء الفرس مثل حافظ و فرخي و يدعوبني قومه إلى قراءة شعره و يعتبرهم في بعض القصائد حميراً و ثيراناً, و لكن كيف تعامل مع الأمير الذي هو رأس السلطة آنذاك؟ لقد كتب قصيدتين عصماوين في مدح الأمير أين منهما قصائد المتنبي في مدح كافور و سيف الدولة!! إنه يخاطب في إحداهما الأمير قائلاً:

ليكن كل من يتجرأ على مخالفة أوامرك الكريمة
مثل شمع تقطعه السيوف و تقرضه المقاريض
و ليصبح كل من لا يريد حكم حضرتك من قلبه
مثل أهل الشقاء عرضة لقهرك و عذابك
وليصبح الذي لا يمدحك و لا يدعو لك بإخلاص
سجيناً في قيودك و هدفاً لسهامك.

هنا نحن أمام حالة فريدة و سابقة في تاريخ الأدب الكردي دشنت عهد النفاق للسلطة المحلية, فالجزري عملاق شعرياً بلا شك و بما لا يقاس حتى بكثير من المعاصرين و لكنه هنا نموذج سيء للمثقف الذي يمشي في ركاب السلطة بغية تحقيق مكاسب شخصية , ألا تراه يدعو الأمير بصراحة إلى قتل المعارضين و نفيهم و تعذيبهم و سجنهم و ملاحقتهم؟!! أليس هذا عين ما يفعله بعض الساسة الكرد (أمراء العصر) في حق معارضيهم و يسكت على ذلك المثقفون! إذاً هم من طينة الجزري في هذه الناحية و لو أنهم أقل شأناً منه بكثير في جهة الإبداع. إن حديثي هنا لا يعني تحاملاً على شاعر قدم للكرد أجمل ما استطاعت قريحته الخلاقة أن تجود به بقدر ما أريد فضح سلوك ما زال قائماً إلى الآن و آن له أي يزول!

على النقيض من الجزري نجد الشاعر أحمد خاني الذي هو أقل شأناً من الجزري من الناحية الإبداعية و لكنه مثقف حر لا يتوانى عن تشخيص الحالة الكردية و التعبير عن حزنه و أسفه لما يفعله الكرد و نقده الجريء للأمير الذي لا يلتفت إلى الأفكار التي يطرحها الخاني و قد وصل الأمر بالخاني إلى الطعن في نسب الأمير في بيت شعري لا يوجد في أغلب نسخ مم و زين, و في بعض القصائد الأخرى يحمل الخاني أمير الكرد مسؤولية كساد سوق الأدب في جرأة يفتقر إليها بعض معاصرينا من مثقفي البلاطات الكردية!!

هناك مثقف يكتب في ما يشبه الإسهال الكتابي مقالات يومية في الإنترنيت و هو لا يترك كاتباً إلا و يتعرض له بالنقد و لكن (سبحان الله) نجده بنصف لسان عندما يتعلق الأمر بالأحزاب و قادتها فهو يدور و يدور دون أن يحدد الأسماء و يثير من حوله ضباباً كثيفاً حتى لا يعرف المرء ما الذي يذهب إليه هذا الفيلسوف, كل ذلك من أجل أن يبقى على مسافات قريبة من الأحزاب و قادتها و فضائياتها (التي تعرض الغنم السعيد في آخر الليل).

المثقف الكردي مطالب اليوم و ليس غداً أن يكون بمستوى المسؤولية الملقاة على عاتقه, و عليه الرد على الأسئلة التي تؤرق الناس و قبل ذلك عليه أن يثير هو أسئلة الوجود و الحرية لدى المنظمات الكردية قبل أن ينادي بتوفير هوامش الحرية في سوريا و السلفادور و زيمبابوي, عليه أن يحدد موقفه من مجمل الأحداث التي تجري حوله, عليه أن يبدي رأيه على الملأ بشأن الشيخ أوجلان و المناضل أتاتورك الذي تمرد عليه الشيخ سعيد ظلماً و عدواناً فاستحق العقاب العادل من الديمقراطي الأول في تركيا.
على المثقفين أن يقولوا لنا هل إن استشهاد الآلاف من شباب و شابات الكرد السوريين على قمم جبال هكاري و جودي و كابار كان عبثاً أم لا و هل أفاد ذلك قضية الشعب الكردي في سوريا أم أضر بها.
على المثقفين أن لا يكونوا سلبيين إزاء الحالة السياسية الكردية في سوريا و عليهم أن يقولوا فيما إذا كان تدخل الأحزاب الكردية من خارج سوريا (مثل ح د ك, ا و ك) في مصلحة الشعب الكردي أم لا! و عليهم أن لا يتركوا الأمر في يد الساسة من أنصاف المتعلمين و حملة الابتدائيات و بعض الشهادات الدنيا, عليهم أن يقولوا رأيهم في الأحزاب التي يتم طبخها (في مطابخ الأحزاب الكردستانية ذات الوزن الثقيل) و عليهم أن يؤسسوا لثقافة حرة شجاعة مستقلة عن سطوة الأحزاب و مؤسساتها حتى يمكننا الحديث عن ولادة أول مثقف كردي في التاريخ المعاصر.

للمقال بقيات
www.amude.com/afaq
 copyright © 2004 amude.com [ info@amude.com ]