رئيس التحرير: نزار آغري
آفاق كردستان - نافذة مفتوحة على السؤال
 
23.03.2005 - 22:01 [ قرأت هذه المادة 1874 مرة ] [ طباعة ]
----------------------------------------------------------------------------------

الإرث الثقيل لعبد الله أوجلان

يوسف شيخو

أثار الكاتب الكردي نزار آغري جملة من المواضيع الحساسة التي تمس الواقع الكردي الأليم المسكوت عنه و ليس المعلن كما درج الجميع على تناوله و استسهال الكتابة فيه من مثل تمجيد الانتفاضات و تقديم التهاني بالمناسبات و التعريض بالخصوم الشخصيين إلخ...
و من هذه المواضيع التي يثيرها الكاتب آغري عبر موقعه آفاق كردستان موضوع الإرث الذي خلفه عبد الله أوجلان بعد دخوله في سبات السجن التركي المتحصن فيه و تدجينه منذ ما ينوف على الست سنوات عجاف من عمر حزب العمال الكردستاني الحائر بزعيمه!

إنني في هذا المقال المتواضع سأتناول جزءاً يسيراً مما تركه أوجلان من بصمات (لا تمحى) في الواقع الكردي في سوريا, لن أتحدث بالطبع عن عشرات الرجال الذين تم جدع أنوفهم أو صلم آذانهم أو محاولة تصفيتهم لمجرد أنهم كانوا خصوماً لنهج الإرهاب الذي مارسه حزب العمال الكردستاني في سوريا خاصة في نهاية الثمانينيات و بداية التسعينيات من القرن الماضي, لن أتحدث عن الألوف المؤلفة من الشباب و الشابات من كرد سوريا الذين زج بهم في أتون حرب أوجلان التي سماها حرباً للتحرير الوطنية, لقد استشهد الآلاف منهم (و كانت غاياتهم بالطبع نبيلة) في سبيل (ترسيخ الديمقراطية في تركيا و الدفاع عن الحريات المدنية و حقوق الكرد الثقافية ضمن حدود الجمهورية التركية المقدسة) و لن أتحدث كذلك عن ثقافة القتل التي أتى بها أوجلان و زرعها في نفوس أنصار حزب العمال من كرد سوريا و كذلك ثقافة (اخرس خالص) التي كان آخر من أتحفنا برواسبها السيد هوشنك أوسي, و كذلك لن أتحدث عن ضرب الحركة الكردية في كرستاني سوريا و العراق و لا عن ترجمة شعارات البعث و الاهتداء بهديها على صفحات الإعلام و في الشارع(الآبوجي) المبتذل من مثل (بالروح بالدم نفديك) أو (من فكر الحزب و من كلمات القائد) التي كانت تزين صفحات مجلة صوت كردستان, و لن أتحدث كذلك عن القطيعية التي رسخها أوجلان و أنصاره بين فئات الشعب الكردي و لا عن تفريغ عيد نوروز من محتواه و جعله عيداً للمسرح المبتذل بحيث بات البعض يعتقد أن الكرد سبقوا أهل أثينا في الفن المسرحي و بات الإنسان العادي يقول: هذا العام لم يكن هناك نوروز!! و هو يقصد أنه لم يكن ثمة مسارح....

لكنني سأتناول الموضوع من زاوية خاصة هي علاقة المثقف الكردي بكل ما جرى و ركوبه الموجة الآبوجية و ممارسته نهج الخنوع و التزام الصمت تجاه جرائم كبيرة مقابل مكاسب آنية زائلة, (و ليسمح لي السيد هوشنك أوسي هنا بالقول: إن ما أفعله هنا ليس انتقائية و لا بطيخ, إنه نوع من ممارسة حق النقد تجاه ظاهرة أراها جديرة بالنقد و التحليل ربما أكثر من غيرها و كما رد عليه الأستاذ نزار آغري بقوله: أن ننتقد حزباً ما لا يعني أننا نوافق على الممارسات الخاطئة للأحزاب الأخرى!! فليس من الضروري أن أنتقد السيد جلال الطالباني مثلاً كلما أردت انتقاد أوجلان).

إن المثقف الكردي في سوريا كان في معظم المواقف ظلاً للحركة السياسية و في كثير من الأحيان بوقاً صدئا ً إلا من رحم ربك من الذين نأوا بأنفسهم عن السياسة فخيطوا أفواههم و ختموا على أسماعهم و انخرطوا يلقون القصائد الطنانة الرنانة في وصف (مفاتن كردستان وصدرها العارم و شفاهها المعسولة و غنجها و دلالها و مباهج الحياة فيها. أنظر مثلاً دواوين شعراء القصيدة العمودية و حتى الأفقية و متوازية الأضلاع).

عندما انتعشت الحركة الآبوجية في سوريا بعد سيطرة أوجلان على الحزب في بداية الثمانينيات كانت الشعارات المطروحة كبيرة و جميلة جداً بحيث أغرت الكثيرين بالانجذاب إلى الحركة و الانخراط في صفوفها و حتى القتال في معاركها, من مثل شعار كردستان المستقلة الموحدة السحري, و كل شيء من أجل تحرير جزء من أرض الوطن و محاربة الاستعمار التركي و القضاء على إرث الخيانة إلى آخر هذه الأحلام الوردية التي دفعت بالآلاف إلى الجبال و هم لا يلوون على شيئ أملاً في أن يكونوا هم أول من يرى الدولة الكردية المنشودة و الجنة التي وعد أوجلان مريديه بها! طبعاً ربما كان بعض المثقثفين معذورين في ذلك الوقت لأنه لم يكن بمقدور أحد أن يكفر بكردستان المستقلة و لا بمشروعية القتال ضد أعداء الشعب الكردي (و هم كانوا آنذاك حصراً الدولة التركية و جيشها و نهجها القائم على الكمالية التي اكتشف أوجلان جمالها الأخاذ متأخراً مع الأسف) كما كانت الحركة الآبوجية تحتاج إلى تحليل موسع و بحث دقيق لكشف ماهيتها و المقاصد الحقيقية التي تتمترس خلف أهدافها المعلنة و هذا ما لم يكن بمقدور أحزابنا الكردية المسكينة في سوريا أن تقوم به و التي تتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية ما حدث إن جرى تقييم شامل لتاريخ حزب العمال الكردستاني في سوريا!

من هنا أقول ربما كان البعض معذورين في انجذابهم إلى الحركة و ركوبهم الموجة العاتية لحزب العمال الكردستاني. و مع ذلك فإن المثقفين الكرد مدانون لأنهم صمتوا على تلك الجرائم التي ارتكبت أولاً بحق البسطاء من الكرد السوريين الذين تحدثوا (بالسوء عن قامة أوجلان أو قالوا إننا نرفع شعار الحقوق الثقافية و الاجتماعية و السياسية للكرد السوريين) فاستحقوا العقاب الصدامي(نسبة إلى صدام) و هو جدع الأنوف و صلم الآذان!! المثقف الكردي في سوريا شريك في تلك الجرائم ما لم يبادر الآن على الأقل إلى تقييم و لو متأخر للنهج الإرهابي الذي سلكته مفارز و سرايا الآبوجيين في القرى و المدن الكردية في سوريا! المثقف الكردي مدان ما لم يطالب بكشف مصير الآلاف من شبابنا و شاباتنا الذين تاهوا في براري الآبوجية و هو مدان ما لم يسائل حزب العمال و أنصاره عن الدم الذي أريق مجاناً على مذبح تخبط أوجلان و حيرته الكوميتراجيدية بين عشق أتاتورك و اكتشاف مورثة الكونفدرالية الديمقراطية في دمه الملكي!
المثقف الكردي مسؤول أمام ضميره و أمام التاريخ ما لم يبادر إلى محاكمة من سرق قوت الشعب الكردي في سوريا لبناء امبراطورية مالية ضخمة لا هم لها سوى تلميع صورة الزعيم الملهم و القائد الضرورة و الأب القائد في نسخته الكردية المقيتة! و محاكمة الذين جندوا المراهقين و الأطفال و غرروا بهم للزج بهم في أتون حرب التحرير الشعبية التي قادتنا إلى اكتشاف خيانة الشيخ سعيد النقشبندي و براءة الزعيم الفذ أتاتورك من كل الدم الكردي المراق في آغري و ديرسم و آمد و بالو و .....

إن السيد هوشنك أوسي و من مثله مطالب اليوم للإجابة على كثير من الأسئلة و أولها: إلى متى ستبقون مدافعين عن نهج رجل لا تعلمون ما الذي سيصرح به غداً!! هل تؤمنون مثله بأتاتورك أم لا!! و هل لديكم الجرأة للوقوف و لو لمرة واحدة في العمر للنطق بكلمة لا!!

إن تصريحات أوجلان بصدد أتاتورك و المنشورة في المواقع الانترنيتية لا تحتمل التأويل كما تعودنا دائماً أن نسمع من أنصاره تأويلات صوفية غيبية لكلمات أوجلان بحيث بات من الضروري إرفاق كل خطاب أو تصريح له بتفسير شيبه تفاسير القرآن ففهمنا قاصر و نحن لسنا في مستوى الخطاب الأوجلاني بل نحن بحاجة إلى مفسرين تخرجوا من مدرسة السيوطي و الذهبي و ابن كثير و فطاحل التفسير في التاريخ الإسلامي!! إنها أقوال صريحة جداً و المثقفون الكرد اليوم أمام خيارين, إما أن يختاروا الشيخ سعيد و دمه الكردي أو يختاروا أتاتورك و مكتشفه العبقري و ليس هناك من خيار ثالث! و على هذا فالمثقف الكردي الذي لا يزال موالياً للنهج الأوجلاني مطالب إما بتكذيب الأخبار التي تتحدث عن أوجلان و افتتانه الصوفي بالمعلم أتاتورك و سائر تصريحاته التي يقوم محاموه البحريون (الذين كادوا أن يصبحوا قباطنة للسفينة التي تقلهم من دار الفناء في البر التركي إلى دار البقاء في الجزيرة المقدسة) بنقلها على لسانه أو أنه مطالب بالتنديد بأوجلان و تلك التصريحات التي تمر و كأنها لم تكن, و بالطبع لا يعني التنديد بأوجلان كفراً بالقضية الكردية في تركيا و لا نسياناً لها تماماً مثلما كان التنديد بجرائم صدام حسين لا يعني بالضرورة ترحيباً بالغزو الأمريكي!

المثقف الكردي السوري خاصة القريب من مؤسسات حزب العمال الكردستاني الإعلامية مدعو لممارسة شجاعته التي طالت إجازتها و هو مدعو لتبني نهج يعيد به صياغة نفسه و يرمم به أطلال روحه التي أفسدها الحرص على المكاسب الشخصية و عليه الخروج من نطاق العمل الفردي و الاحتجاج الصامت أو الاحتجاج الخافت وراء كواليس الشلل الثقافية و ضمن الأطر العائلية (تستطيع أن تلعن من تشاء في سرير الزوجية فتصبح شجاعاً في نظرالزوجة فقط) إلى نطاق العمل الجماعي المؤثر و الاستفادة الخلاقة مما وفرته وسائل الإتصالات الحديثة خاصة الإنترنيت و على المثقف الكردي أن يؤسس لمرجعية أخلاقية قادرة على التأثير في الحياة العامة الكردية و معرفة أنه يشكل سلطة موازية للسلطة السياسية و مؤثرة فيها و ليس كما يظن البعض أن المثقفين ليس لهم إلا شعار( قلها و امش)!!
www.amude.com/afaq
 copyright © 2004 amude.com [ info@amude.com ]